تحليل

الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة في العصر الرقمي.. معركة الوعي في مواجهة التضليل والاستهداف الإلكتروني

عبد الرحيم بوزياني (أستاذ باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة)

تعد الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة ركيزتين أساسيتين في بناء الدولة الحديثة وتعزيز تماسكها المجتمعي، إذ لم تعودا مجرد منظومة قيمية أو شعارات تستحضر في المناسبات الوطنية، بل أصبحتا إطارا مرجعيا يوجه سلوك الأفراد والجماعات، ويسهم في صون المصالح العليا للدولة، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز قدرتها على مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك محاولات الاستهداف والتأثير التي تستهدف وحدتها وأمنها ومؤسساتها. وفي هذا الإطار، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في الخطاب الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، على مركزية هذين البعدين في مسار بناء الوطن وصيانة مكتسباته، حيث جاء في الخطاب الملكي السامي: "إن المغرب، بماضيه وحاضره ومستقبله، أمانة في أعناقنا جميعا. لقد حققنا معا العديد من المنجزات في مختلف المجالات. ولن نتمكن من رفع التحديات وتحقيق التطلعات إلا في إطار الوحدة والتضامن والاستقرار، والإيمان بوحدة المصير، في السراء والضراء، والتحلي بروح الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة".

وإذا كانت هذه التوجيهات الملكية قد شكلت، منذ صدورها، إطارا مرجعيا لترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة، ووجهت أداء مختلف الفاعلين والمؤسسات نحو خدمة المصالح العليا للوطن، فإنها تكتسب اليوم أبعادا ودلالات أكثر عمقا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي. فقد أضحت التهديدات التي تواجه الدول لا تقتصر على المجالات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية في صورتها التقليدية، بل امتدت إلى مجالات جديدة تستهدف الوعي الجماعي، وتسعى إلى التأثير في منظومة القيم والأفكار والاتجاهات والسلوكيات، بما يجعل حماية الأمن على المستوى الوطني رهينة أيضا بترسيخ الوعي المجتمعي وتعزيز الانتماء الوطني، إلى جانب تطوير القدرات التقنية والمؤسساتية لمواجهة هذه التحديات المستجدة.

أولا: التحول الرقمي وتغير مفهوم التهديدات الأمنية

أفرز التحول الرقمي واقعا جديدا أصبحت فيه المعلومة موردا استراتيجيا لا تقل أهميته عن سائر الموارد التقليدية، كما غدت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات محورية في تشكيل الرأي العام، وتوجيه النقاش العمومي، والتأثير في التوجهات الاجتماعية والسياسية والثقافية. غير أن ما تتيحه هذه المنصات من فرص واسعة للتواصل، والانفتاح، وتبادل المعرفة، يقابله تنامي توظيفها في حملات التضليل الإعلامي، والاستقطاب الفكري، والتأثير الممنهج في اتجاهات الأفراد والجماعات. وتتجلى خطورة هذا التوظيف بصورة أكبر عندما يستهدف القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية، أو الاستقرار المجتمعي، أو المصالح الاستراتيجية للدولة، بما يجعل الفضاء الرقمي أحد أهم ميادين التنافس والتأثير في البيئة الأمنية المعاصرة، ويستدعي تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة بوصفهما خط الدفاع الأول في مواجهة هذه التحديات.

ثانيا: الاستهداف الرقمي للمغرب وآليات التأثير في الوعي المجتمعي

في الحالة المغربية، تكتسب التحديات السالفة الذكر خصوصية متزايدة بالنظر إلى استمرار توظيف الفضاء الرقمي من قبل مجموعة من الفاعلين الداعمين للأطروحات المناوئة للوحدة الترابية للمملكة، باعتباره مجالا للتأثير في الرأي العام ومحاولة إعادة تشكيل التصورات المرتبطة بالقضايا الوطنية، ولا سيما في أوساط الشباب الذين يشكلون الفئة الأكثر استخداما وتفاعلا مع منصات التواصل الاجتماعي. ولم تعد هذه الممارسات تقتصر على نشر الخطابات العدائية أو المضامين الدعائية المباشرة، بل تطورت لتوظف استراتيجيات اتصال رقمي أكثر تعقيدا، تستند إلى معطيات علم النفس الاجتماعي، وتقنيات تحليل البيانات، والخوارزميات التي تتحكم في ترتيب المحتوى وتوجيه انتشاره، بما يتيح استهداف فئات محددة برسائل مصممة وفق خصائصها واهتماماتها، ويزيد من قدرتها على التأثير في الإدراكات والاتجاهات وصناعة القناعات تجاه القضايا ذات الحساسية الوطنية. ومن ثم، لم يعد الرهان مقتصرا على حماية الفضاء الرقمي من الناحية التقنية، بل أصبح يشمل أيضا تعزيز مناعة المجتمع فكريا وقيميا، من خلال ترسيخ الوعي الوطني، وتنمية التفكير النقدي، وترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والتأثير الرقمي.

ولعل الأحداث المرتبطة بالدعوات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها الدعوات إلى التجمهرات غير المؤطرة ومجهولة المصدر سنة 2025، فضلا عن الدعوات التي روجت للتوجه نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين مؤخرا، تمثل نموذجا معبرا عن التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي، وعلى تنامي آليات التأثير التي أفرزتها البيئة الرقمية في تشكيل السلوك الجماعي وتوجيه التفاعلات المجتمعية. فقد أظهرت تلك الأحداث الكيفية التي يمكن أن تنتشر بها محتويات رقمية مجهولة المصدر بوتيرة متسارعة، وأن تستقطب تفاعلا واسعا، ولا سيما في أوساط الشباب، لتتحول في وقت وجيز إلى محور للنقاش العمومي والتداول المكثف عبر المنصات الرقمية.

لقد أظهرت تلك الوقائع أن حملات التأثير في البيئة الرقمية لم تعد تعتمد على الخطاب المباشر أو الرسائل الدعائية التقليدية، بل أصبحت تستند إلى استراتيجيات اتصال أكثر تطورا، تقوم على تحليل خصائص الجمهور المستهدف، واستثمار اهتماماته وتطلعاته، وتوظيف الرسائل العاطفية والرمزية بما يعزز فرص انتشارها وتفاعل المتلقين معها. وهكذا لم يعد التأثير الرقمي يقوم على مخاطبة الجمهور باعتباره كتلة متجانسة، وإنما أصبح يعتمد على استراتيجيات الاستهداف الدقيق، من خلال توجيه محتويات مصممة لفئات محددة وفقا لاهتماماتها وأنماط تفاعلها وسلوكها الرقمي، بما يزيد من فاعلية الرسائل الموجهة وقدرتها على التأثير في الإدراكات والاتجاهات. ويتم ذلك في كثير من الأحيان دون أن تستند هذه الرسائل إلى معطيات موضوعية متكاملة أو إلى معلومات موثوقة، الأمر الذي يعزز مخاطر التضليل وإعادة تشكيل التصورات تجاه القضايا الوطنية.

ويعد الشباب من أكثر الفئات عرضة لهذا النوع من التأثير، بحكم كثافة حضورهم على منصات التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات تفاعلهم مع المحتويات الرقمية. ويزداد هذا التأثير بفعل الخوارزميات التي تقوم عليها تلك المنصات، والتي لا يقتصر دورها على تنظيم المحتوى، بل يمتد إلى تحديد ما يصل إلى المستخدمين وترتيب أولويات ظهوره استنادا إلى تفضيلاتهم وسلوكهم الرقمي. ونتيجة لذلك، قد يتكرر تعرض المستخدمين لمضامين متشابهة أو متقاربة، بما يؤدي إلى تكوين بيئة معلوماتية محدودة تعيد إنتاج الأفكار والاتجاهات نفسها بصورة متواصلة، وتعزز لديهم الانطباع بأن ما يتلقونه يمثل الرأي السائد أو الحقيقة الكاملة، في حين أنه قد لا يعكس سوى جزء من الواقع أو رؤية انتقائية لموضوع معين. كما أن المضامين المثيرة أو العاطفية أو المثيرة للجدل غالبا ما تحظى بفرص انتشار وتداول أكبر من المعلومات الدقيقة والمتوازنة، نظرا لقدرتها على استقطاب التفاعل وتحقيق معدلات مرتفعة من المشاهدة والمشاركة. ومن ثم، لم يعد التحدي في البيئة الرقمية المعاصرة مقتصرا على التحقق من صحة المعلومات أو كشف زيفها، بل أصبح يتمثل أيضا في فهم الآليات الخوارزمية التي تتحكم في إنتاج المحتوى وتوزيعه وإيصاله إلى الجمهور، وما يترتب على ذلك من قدرة متزايدة على التأثير في الإدراكات والاتجاهات وتشكيل الرأي العام.

ومن هذا المنطلق، فإن الأحداث السالفة الذكر، لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مجرد وقائع ظرفية ارتبطت بسياق معين، وإنما بوصفها مؤشرا على التحولات العميقة التي يشهدها مفهوم الأمن في ظل البيئة الرقمية المعاصرة. فلم يعد الأمن يقتصر على حماية الحدود وصون السيادة والتصدي للتهديدات العسكرية أو الأمنية التقليدية، بل امتد ليشمل حماية المجال المعلوماتي، وتعزيز الأمن المعرفي، وبناء مناعة المجتمع في مواجهة حملات التضليل والتأثير والاستقطاب التي تستهدف الإدراكات والاتجاهات والقيم. ويعكس هذا التحول اتساع مفهوم الأمن ليشمل أبعادا معرفية ورقمية وثقافية، بما يجعل تنمية الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة عنصرين أساسيين في تعزيز صمود المجتمع وقدرته على مواجهة التهديدات المستجدة وصون المصالح العليا للدولة.

ثالثا: الأمن المجتمعي الرقمي وآليات تعزيز مناعة المجتمع

يبرز مفهوم الأمن المجتمعي الرقمي بوصفه أحد المداخل الرئيسية لتعزيز التماسك المجتمعي في مواجهة التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية. ولا يقصد بهذا المفهوم فرض قيود على استخدام الفضاء الرقمي أو الحد من حرية التعبير، وإنما بناء مجتمع يمتلك من الوعي الرقمي، والمعرفة، والتفكير النقدي ما يؤهله للتعامل الواعي والمسؤول مع المعلومات والمضامين المتداولة عبر المنصات الرقمية. فكلما ارتفعت قدرة الأفراد على التحقق من صحة المعلومات، والتمييز بين الأخبار الموثوقة والمحتويات المضللة، تراجعت قابليتهم للتأثر بحملات التضليل والاستقطاب والتأثير الممنهج، وتعززت في المقابل قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه واستقراره وصون مصالحه الوطنية. ومن ثم، فإن الأمن المجتمعي الرقمي لا يتحقق بالوسائل التقنية والقانونية وحدها، وإنما يتطلب أيضا ترسيخ ثقافة الوعي الرقمي، وتعزيز قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء مجتمع أكثر مناعة وقدرة على مواجهة التهديدات المعلوماتية المستجدة.

وفي هذا السياق، تضطلع مؤسسات التربية والتكوين، بكافة مكوناتها، بدور استراتيجي في تعزيز الأمن المجتمعي الرقمي، من خلال إعداد مواطن واع بطبيعة التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي، وقادر على التعامل النقدي مع ما يروج فيه من معلومات ومضامين. ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على نقل المعارف والمهارات، بل يمتد إلى تنمية الشخصية المدنية، وترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة، وتعزيز التفكير النقدي وثقافة التحقق من المعلومات. كما أصبحت التربية على المواطنة الرقمية من المرتكزات الأساسية لإعداد الأجيال الجديدة، بما يمكنها من الاستخدام الواعي والمسؤول للتقنيات الرقمية، ويعزز قدرتها على مقاومة التضليل والاستقطاب الرقمي.

وبموازاة ذلك، يظل الإعلام، بمختلف مكوناته، أحد الفاعلين الرئيسيين في تعزيز الوعي المجتمعي وصون المجال المعلوماتي. فالصحافة المهنية القائمة على الدقة والتحقق والالتزام بأخلاقيات المهنة تسهم في الحد من انتشار الأخبار الزائفة والمحتويات المضللة، من خلال توفير معلومات موثوقة، ووضع الأحداث في سياقاتها الصحيحة، بما يدعم تكوين رأي عام واع ومستنير. كما تفرض التحولات الرقمية على وسائل الإعلام تطوير حضورها الرقمي، وتحديث أدواتها التواصلية، بما يضمن قدرتها على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب.

ومن جهة أخرى، أضحى المؤثرون وصناع المحتوى الرقمي فاعلين مؤثرين في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاش العمومي، وهو ما يرتب عليهم مسؤولية أخلاقية ومجتمعية تتناسب مع حجم تأثيرهم. ومن ثم، فإن توظيف هذا التأثير في نشر المعرفة الموثوقة، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية والانتماء، يمثل إسهاما مهما في ترسيخ الوعي المجتمعي والحد من آثار حملات التضليل والتأثير الرقمي.

كما تظل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بتعزيز أدوارها التأطيرية والتوعوية، من خلال توسيع فضاءات الحوار والمشاركة المدنية، وتأهيل الشباب للانخراط الواعي في الشأن العام، بما يعزز ثقتهم في المؤسسات، ويحد من قابليتهم للتأثر بالخطابات المضللة أو الدعوات مجهولة المصدر.

وانطلاقا من ذلك، يتبين أن تعزيز الأمن المجتمعي الرقمي لا يمثل مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما هو مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف المؤسسات والفاعلين العموميين والسياسيين والمجتمعيين. فبناء مجتمع قادر على مواجهة التهديدات الرقمية لا يتحقق، كما سبق الإشارة إلى ذلك، بالوسائل التقنية والقانونية وحدها، بل يتطلب أيضا ترسيخ الثقة في المؤسسات، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتنمية روح الانتماء والمسؤولية. وكلما ازداد وعي المواطن بقضايا وطنه وإدراكه للمصالح العليا للدولة، وتعززت قدرته على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتويات المضللة، ازدادت مناعة المجتمع وتراجعت فاعلية محاولات التضليل والتأثير والاستهداف في البيئة الرقمية.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الدعوة الملكية إلى التحلي بروح الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة تشكل بعدا استراتيجيا يتجاوز إطار التوجيه القيمي، ليشكل أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز الأمن المجتمعي في البيئة الرقمية. فالوطنية الصادقة لا تقتصر على التعبير عن مشاعر الانتماء، وإنما تعكس وعيا راسخا بأن حماية المصالح العليا للوطن مسؤولية مشتركة تتطلب يقظة دائمة وانخراطا واعيا من مختلف مكونات المجتمع. كما أن المواطنة المسؤولة لا تنحصر في التمتع بالحقوق والوفاء بالواجبات، بل تمتد إلى الإسهام الإيجابي في صون الوحدة الوطنية والترابية، وتعزيز الاستقرار، والتعامل المسؤول مع الفضاء الرقمي وما يتيحه من فرص وما يطرحه من تحديات.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الرقمي، حيث أصبحت الخوارزميات تؤدي دورا متزايدا في توجيه تدفق المعلومات والتأثير في الإدراكات والاتجاهات، باتت مواجهة التهديدات المستجدة تتطلب، إلى جانب تطوير الأطر القانونية والقدرات التقنية والمؤسساتية، الاستثمار في بناء الإنسان وتعزيز وعيه النقدي وترسيخ قيم الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة. وبهذا المعنى، يشكل الوعي الوطني المستنير أحد أهم مقومات تعزيز المناعة المجتمعية، ورافعة أساسية لصون الوحدة الوطنية والترابية، والحفاظ على الاستقرار، ودعم قدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية.