من بين أهم التحولات التي عرفها الفكر الدستوري والسياسي المعاصر، الانتقال من الاهتمام بالسؤال التقليدي المرتبط بكيفية تنظيم السلطة، إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بقدرة الدولة على إنتاج القوة وصناعة النفوذ وتأمين مصالحها الإستراتيجية. فالدساتير الحديثة لم تعد ينظر إليها فقط بما تتضمنه من قواعد لتنظيم المؤسسات وتوزيع الاختصاصات وضمان الحقوق والحريات، وإنما أصبحت تقدم بقدرتها على بناء دولة قوية، مستقرة، ذات رؤية إستراتيجية، وقادرة على حماية مصالحها الحيوية داخليا وخارجيا.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة اللحظة السياسية التي يعيشها المغرب اليوم، في ضوء خطاب العرش، والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، والتطورات المتسارعة المرتبطة بقضية الوحدة الترابية، والتحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، لا ينبغي أن تتم بمنطق الأحداث المنفصلة، وإنما باعتبارها حلقات مترابطة داخل مشروع إستراتيجي واحد تقوده الدولة المغربية وفق رؤية دستورية بعيدة المدى.
لقد رسخ دستور 2011، في فلسفته العامة، تصورا متقدما للدولة باعتبارها إطارا دائما تتعايش داخله المؤسسات، وتتداول في إطاره النخب السياسية على تدبير الشأن العام، دون أن يعني ذلك المساس بالثوابت الدستورية أو بالخيارات الإستراتيجية للأمة. فالانتخابات، مهما بلغت أهميتها في تجديد الشرعية الديمقراطية، تظل وسيلة لا غاية، وآلية لتجديد المسؤوليات السياسية، لا مناسبة لإعادة تعريف الدولة أو مراجعة ثوابتها أو تغيير تموقعها الإستراتيجي.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي لانتخابات شتنبر المقبل لا يكمن فقط في تحديد الحزب الذي سيقود الحكومة، وإنما في قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم برامج وسياسات عمومية تنسجم مع المشروع الإستراتيجي للدولة، وتترجم التوجيهات الكبرى التي رسمها الملك في خطاب العرش، باعتباره خطابا دستوريا يؤطر الاختيارات الوطنية الكبرى، ويحدد أولويات المرحلة المقبلة.
إن الدولة المغربية لم تعد، كما كان الشأن في التصورات الكلاسيكية، مجرد دولة حارسة تقتصر وظيفتها على حفظ الأمن الداخلي والدفاع عن الحدود. لقد أصبحت دولة إستراتيجية تمارس سيادتها في بعدها الشامل؛ سيادة ترابية تحمي الوحدة الوطنية، وسيادة اقتصادية تؤسس لمشاريع مهيكلة، وسيادة دبلوماسية تبني الشراكات، وسيادة أمنية تستبق المخاطر، وسيادة تنموية تجعل من الاستثمار والبنيات التحتية والربط القاري أدوات لإنتاج النفوذ وتعزيز المكانة الدولية.
وتبرز هذه الحقيقة من خلال المشاريع الإستراتيجية الكبرى التي يقودها المغرب، من الميناء المتوسطي إلى المبادرة الأطلسية لفائدة الدول الإفريقية، إلى ميناء الداخلة الأطلسي، ومن توسيع شبكة البنيات التحتية إلى الاستثمارات الصناعية والطاقية واللوجستية، وهي مشاريع لا يمكن قراءتها بمنطق التدبير القطاعي، وإنما باعتبارها تعبيرا عن رؤية دولة تسعى إلى إعادة تموقع المغرب قوة إقليمية وازنة داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي والواجهة الأطلسية.
وفي هذا الإطار، لم تعد السيادة مفهوما قانونيا جامدا يقتصر على ممارسة السلطة داخل الحدود الوطنية، كما استقر عليه الفقه التقليدي، ولكن أصبحت مفهوما ديناميا يقاس بمدى قدرة الدولة على التأثير في محيطها، وصناعة التوازنات الإقليمية، وجذب الاستثمارات، وفرض احترام مصالحها الإستراتيجية، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر للقوة والنفوذ.
ولعل ما شهدناه في الآونة الأخيرة من تطورات متزامنة يعكس بوضوح هذا التحول. فأحداث مدينة سبتة المحتلة، وما أفرزته من نقاشات سياسية وأمنية، أكدت مرة أخرى أن المغرب يوجد في قلب معادلات المتوسط والهجرة والأمن الإقليمي، وأن أي تطور يمس المملكة لم يعد شأنا محليا، بل أصبح يحظى بمتابعة دقيقة من مختلف الشركاء الدوليين، بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب في منظومة الاستقرار الإقليمي.
كما أن الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، بما تضمنته من تجديد التأكيد على الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والتعبير عن الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد رسالة بروتوكولية، وإنما باعتبارها مؤشرا سياسيا وإستراتيجيا على المكانة التي أصبحت تحتلها المملكة في الحسابات الدولية، وعلى متانة الشراكة المغربية الأمريكية، وعلى استمرار الدعم الأمريكي للخيارات الإستراتيجية للمغرب.
إن هذا التحول يعكس حقيقة دستورية وسياسية أساسية، وهي أن قوة الدولة لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه من أدوات السلطة، وإنما أيضا بقدرتها على بناء الثقة الدولية، واستقطاب الشركاء، وصناعة المبادرات، وتحويل الشرعية الدستورية إلى سيادة إستراتيجية فاعلة.
ومن هنا، فإن النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة ينبغي أن يرتقي من الجدل الانتخابي الضيق إلى التفكير في سؤال أكبر: كيف يمكن للفاعلين السياسيين أن يجعلوا من التنافس الديمقراطي رافعة لتعزيز مشروع الدولة، لا ساحة لتبديده؟ فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تداول الأحزاب على تدبير الحكومة، إذ تتحقق عندما يصبح هذا التداول في خدمة مشروع وطني مستمر، تحكمه الثوابت الدستورية، وتوجهه المصالح العليا للدولة، وتؤطره رؤية إستراتيجية بعيدة المدى.
حين يتكلم الدستور عن التجربة المغربية، فإنه يؤكد، اليوم، أن الدولة القوية ليست تلك التي تحسن إدارة الانتخابات فحسب، ولكنها تلك التي تجعل من الانتخابات إحدى آليات تجديد النخب داخل مشروع إستراتيجي متواصل، لا ينقطع بتغير الحكومات ولا يتبدل بتغير الأغلبية البرلمانية. فبين شرعية المؤسسات التي يمنحها الاقتراع، والسيادة الإستراتيجية التي تصنعها الرؤية والاستمرارية، تتشكل خصوصية النموذج المغربي، وتتجسد قوة الدولة التي لم تعد تكتفي بحماية حدودها، بل أصبحت فاعلا مؤثرا في صناعة التوازنات الإقليمية والدولية، وشريكا موثوقا في بناء الأمن والتنمية والاستقرار، ومشروعا حضاريا يتجاوز منطق التدبير اليومي إلى منطق صناعة المستقبل.






