تحليل

سبتة تحت الضغط: بين الأرقام الرسمية والخطاب السياسي المتصاعد

حسن اليوسفي المغاري (صحفي)

​ثمة لحظات تكشف فيها الأزمات عن وجهين متزامنين: وجه إنساني يُقاس بالمآسي الفردية، ووجه سياسي-إعلامي يُقاس بالأرقام وتوظيفها. أزمة مدينة سبتة المحتلة الأخيرة نموذج صارخ على هذا الازدواج، حيث بات السؤال عن “كم عدد العابرين؟” لا يقل أهمية عن السؤال الأصعب: “من يستفيد من تضخيم هذا الرقم أو تقليصه؟”


​حين يتحول الرقم إلى خطاب

​ ​تداول رقم 49 ألف عابر خلال 24 ساعة، منسوبا إلى وكالة “رويترز” نقلا عن الداخلية الإسبانية، أثار موجة من الذعر الافتراضي قبل أن يثيرها الواقع الميداني نفسه. تدقيق هذا الرقم في ضوء السجلات الرسمية والتقارير الموثقة يكشف عن مفارقة: الرقم مبالغ فيه، بينما تشير المعطيات الميدانية الموثقة إلى وصول أكثر من 1500 مهاجر خلال أيام قليلة فقط، بمعدل يقارب 300 عابر يوميا سباحة أو بوسائل طفو، مع سقوط أكثر من 60 ضحية غرقا منذ بداية الموجة. هذا لا يعني أن الأزمة مصطنعة؛ فمشاهد الشباب وهم يعبرون سباحة نحو الشواطئ الحدودية المغربية الإسبانية حقيقية ومأساوية. لكن المسافة بين “الحقيقة الميدانية الموثقة” و”الرقم المتداول إعلاميا” تستحق وقفة، لأن الأرقام حين تُنتزع من سياقها لا تصف الواقع بل تُعيد تشكيله في وعي المتلقي.


الشرارة القانونية: حين يُفكك حكم قضائي أداة الضبط

​ما يميز موجة يوليوز 2026 عن سابقاتها هو وجود مُحرّك قانوني مباشر: حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يقضي بعدم جواز “الإعادة الفورية” (Refoulement) للمهاجرين الذين يُعترَضون في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة ومليلية. هذا الحكم، الذي جاء بدافع حماية حقوقية، أفقد السلطات الإسبانية الأداة القانونية السريعة التي كانت تعتمدها لإعادة الوافدين، وهو ما فُسّر ميدانيا كـــ”إشارة خضراء” ضمنية ساهمت في تسريع وتيرة المحاولات خلال الأيام الأخيرة من يوليوز. هذا التفصيل القانوني، رغم تقنيته، يستحق تسليط الضوء عليه لأنه يفسر جانبا من توقيت الأزمة وحدّتها المفاجئة، أكثر مما تفسره فرضيات التصعيد الدبلوماسي وحدها.


​تغطية متعددة الاتجاهات ومصالح متعددة

​الإعلام المرئي، من خلال شبكات مثل BFM في فرنسا، اختار أن يُبرز البعد الإنساني والدرامي للمشهد. الصحافة الإسبانية، وعلى رأسها EL PAÍS، ركّزت على البعد المؤسسي: إعلان “طوارئ إنسانية واجتماعية” ونشر وحدات الجيش. أما الإعلام الفرنسي فقرأ الحدث من زاوية أوسع: اختبار متانة الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي بأكمله. هذا التعدد في زوايا المعالجة ليس محايدا بالضرورة؛ فكل مقاربة تخدم أجندة مؤسسية أو وطنية معينة، وتعكس أولويات كل طرف أكثر مما تعكس الحدث بذاته.


​بروكسل بين التضامن والصمت عن الجذور

​الموقف الأوروبي الرسمي جاء متوقعا في جوهره: تأكيد على أن حدود سبتة “حدود أوروبية مشتركة”، وتضامن كامل مع مدريد، ودعوة متكررة إلى “تعزيز التعاون الاستراتيجي” مع دول الجوار. لكن هذا الخطاب، رغم طمأنته الدبلوماسية، يتجنب عادة السؤال الأصعب: ما هي الجذور البنيوية لهذه التدفقات المتكررة؟ التعاون الأمني وحده، مهما بلغت كثافته، لن يُنتج حلا مستداما ما لم يقترن بمعالجة جذرية للفوارق الاقتصادية والسياسية التي تدفع الآلاف نحو المخاطرة بحياتهم.


التصدع الأوروبي: تهديد ميلوني وإعادة إحياء ملف شنغن

​إذا كان الخطاب الأوروبي الرسمي قد اكتفى تقليديا بالتضامن اللفظي، فإن تطورات الساعات الأخيرة كشفت عن تصدع أعمق داخل الصف الأوروبي نفسه. رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ذهبت إلى حدّ الدعوة لتعليق مشاركة إسبانيا في منطقة “شنغن” ردّاً على تعامل مدريد مع الأزمة، معلنة استعداد بلادها لاتخاذ “إجراءات استثنائية”. هذا التهديد، وإن كان أقرب إلى رسالة سياسية داخلية موجهة للناخب الإيطالي منه إلى مقترح تقني قابل للتطبيق الفوري، يحمل دلالة خطيرة: فهو يكشف كيف يمكن لأزمة هجرة محلية في ثغرة صغيرة أن تتحول إلى ذريعة للمساس بأحد أعمدة المشروع الأوروبي ذاته، أي حرية التنقل داخل الفضاء الأوروبي شنغن. الرد الإسباني جاء سريعا وحازما، باستدعاء السفير الإيطالي، في مؤشر على أن الأزمة تجاوزت حدود التضامن الأوروبي التقليدي لتلامس تصدعات سياسية داخلية أوروبية أعمق. وفي فرنسا، لم يتأخر اليمين المتطرف عن ركوب الموجة ذاتها، إذ دعا زعيم “التجمع الوطني” جوردان بارديلا إلى حصر حرية التنقل داخل شنغن في المواطنين الأوروبيين فقط، في خطاب يُظهر أن أزمة سبتة تحولت بسرعة إلى وقود لنقاشات الهجرة في أكثر من عاصمة أوروبية، بمعزل عن أي تنسيق جماعي حقيقي.


الانقسام الإسباني الداخلي: من أزمة حدودية إلى معركة سياسية

​داخليا، لم تسلم الحكومة الإسبانية من تصعيد سياسي حاد: “الحزب الشعبي” يتهم حكومة سانشيز بالتقاعس، بينما يطالب حزب “فوكس” اليميني المتطرف باستقالة وزير الداخلية ورئيس الحكومة معا. وفي المقابل، ينتقد حزب “بوديموس” اليساري الحكومة من زاوية معاكسة تماما، مُحمّلا إياها مسؤولية عدم إعلان حالة التأهب رسميا. هذا التجاذب الحاد، الذي يتقاطع مع نقاش موازٍ حول برنامج تسوية أوضاع نحو 1.3 مليون مهاجر مقيم بشكل غير قانوني في إسبانيا (وهو برنامج يُعارضه الحزب الشعبي وفوكس بشدة)، يكشف كيف تتحول أزمة إنسانية محلية إلى ساحة اشتباك سياسي وطني أوسع، تتنازعه حسابات انتخابية أكثر مما تحكمه مقاربة عملية موحدة لإدارة الملف.


​الجذور المغربية للظاهرة : حين يضيق الأفق الداخلي

​لا يمكن قراءة هذه التدفقات بمعزل عن واقع معيشي يعيشه قطاع عريض من الشباب المغربي، يجد نفسه أمام أفق محدود لتحقيق طموحاته: بطالة مزمنة، فوارق اجتماعية متصاعدة، وإحساس متنامٍ بأن مسار “العيش الكريم” يستلزم البحث عن فضاءات أخرى تبدو أرحب وأكثر إنصافا. هذا الشعور، وإن كان مشروعا في جوهره الإنساني، يتحول إلى وقود لمخاطرة قاتلة حين تغيب البدائل الداخلية: فرص شغل حقيقية، سياسات تنموية جهوية عادلة، ومسارات اجتماعية تعيد للشباب الثقة في إمكانية البناء داخل الوطن. فالهجرة غير النظامية، في جانب كبير منها، ليست اختيارا بقدر ما هي نتيجة حتمية لمعادلة مختلة بين طموح جيل كامل وواقع اقتصادي لا يستوعبه.


​هذا البعد يفرض على صناع القرار، مغربيا وأوروبيا، إدراك أن أي معالجة أمنية أو دبلوماسية للأزمة، مهما بلغت صرامتها، لن تكون سوى مسكّن مؤقت ما لم تقترن بإصلاح جذري لشروط العيش التي تدفع الشباب أصلا نحو المخاطرة بحياتهم في عرض البحر.


​التوظيف السياسي الداخلي : من الأزمة إلى المكسب الانتخابي

​في المقابل، لم يتأخر “الحزب الشعبي” الإسباني المعارض عن استثمار الأزمة سياسيا. بيان ألبرتو نونيز فيخو، بمطالبته بإعلان سبتة “منطقة ذات أهمية للأمن القومي” ونشر “انتشار ضخم” للجيش، وتحميله الحكومة مسؤولية “قرار سياسي غير مسؤول”، يندرج ضمن سياق تصعيد سياسي داخلي أوسع من كونه استجابة موضوعية لأزمة إنسانية. الدعوة إلى “قيادة قوية” تُعيد “هيبة الدولة” خطاب مألوف في لحظات الأزمات، يوظّف القلق الشعبي لخدمة معارك انتخابية أكثر مما يخدم البحث عن حلول عملية.


بادرة تنسيق مغربية-إسبانية وسط الاحتقان

​في خضم هذا التصعيد المتعدد الجبهات، برزت إشارة متزنة نسبيا: مصادر رسمية مغربية أكدت اتفاق الرباط ومدريد على تعزيز التنسيق الثنائي وتفعيل إجراءات إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بشكل غير قانوني في أقرب الآجال. هذه البادرة، وإن ظلت محدودة الأثر أمام حجم الاحتقان السياسي في مدريد وروما وباريس، تذكّر بأن التعاون الثنائي الهادئ، بعيدا عن لغة التهديد والتصعيد الإعلامي، يبقى الأداة الأكثر واقعية لإدارة أزمة من هذا النوع.


​كلمة أخيرة : الحاجة إلى قراءة نقدية للأزمة والخطاب معا

​ ​أزمة سبتة، في جوهرها، إنسانية بامتياز: بشر يخاطرون بحياتهم بحثا عن أفق أفضل، سواء كان دافعهم الحرمان الاقتصادي في بلدانهم الأصلية أو غياب سياسات تنموية عادلة. لكن معالجتها الإعلامية والسياسية تكشف كيف تتحول المأساة إلى ساحة لتضخيم الأرقام، وتوظيف الخطاب، وتصفية حسابات سياسية داخلية ووطنية، بل وأوروبية أيضا كما يُظهر تهديد ميلوني بمساءلة شنغن ذاته.


المسؤولية الصحافية اليوم لا تكمن في نقل الرواية الأكثر إثارة، بل في التحقق الدقيق من الأرقام، وفضح توظيفها، ومساءلة كل طرف عن دوره في تأجيج الأزمة أو التستر على جذورها الحقيقية. فالحدود، مهما شُدّدت، والأمن، مهما تعزز، لن يحلا أزمة إنسانية عميقة الجذور ما لم تُعالَج أسبابها البنيوية – في ضفتي المتوسط معا – بجدية توازي حجم الخطاب المُستهلَك حولها، وما لم يُدرك الأوروبيون أنفسهم أن توظيف الأزمة لتصفية حسابات داخلية بينهم لا يخدم أحدا سوى خطاب الانقسام ذاته.