سياسة واقتصاد

تحول معايير النخبة في الأقاليم الجنوبية: قراءة مؤسساتية..

ميمونة الحاج داهي

اعتادت الأدبيات السياسية المغربية تفسير تشكل النخب في الأقاليم الجنوبية من خلال ثلاثة مفاتيح رئيسية: البنية القبلية، والتمثيلية الانتخابية، والاندماج في الدولة. وقد أسهمت هذه المفاتيح في تفسير مرحلة تاريخية طويلة، لكنها تبدو اليوم أقل قدرة على تفسير التحولات الجارية. فثمة مؤشرات توحي بأن معيارا رابعا أخذ يفرض نفسه تدريجيا، وهو المشروعية المؤسساتية، أي المكانة التي يكتسبها الفاعل العام من خلال خبرته في إدارة المؤسسات العمومية، وقدرته على التعامل مع المشاريع الاستراتيجية، وليس فقط من خلال رصيده الانتخابي أو الاجتماعي.

هذه الفرضية لا تعني أن المحددات التقليدية اختفت، لكنها تشير إلى أن وزنها النسبي قد تغير.

لفهم هذا التحول، ينبغي أولا الانتباه إلى أن وظيفة الأقاليم الجنوبية داخل التصور الاستراتيجي للدولة المغربية لم تعد هي نفسها التي كانت عليها قبل عقدين. فقد انتقل الاهتمام من منطق تثبيت الاندماج الترابي إلى منطق توظيف الموقع الجغرافي والاقتصادي في مشاريع ذات أفق وطني وإفريقي وأطلسي. ومع هذا الانتقال، لم تعد الجهة مجرد فضاء للإدارة المحلية، بل أصبحت مجالا لتقاطع رهانات اقتصادية، ولوجستية، ودبلوماسية، وتنموية.

عندما تتغير وظيفة المجال، تتغير بطبيعة الحال وظيفة النخبة التي تتحرك داخله.

فالفاعل الذي يُنتظر منه التفاعل مع مشاريع بهذا الحجم لا يُقاس حضوره فقط بقدرته على التعبئة الانتخابية، وإنما أيضا بقدرته على العمل داخل مؤسسات متعددة، وفهم منطق الإدارة العمومية، والتنسيق بين مستويات مختلفة من القرار. ومن هنا يبرز مفهوم النخبة المؤسساتية، وهي نخبة تستمد جزءا مهما من مشروعيتها من الكفاءة الإدارية، والخبرة التراكمية، والقدرة على إدارة الملفات المركبة.

غير أن هذا التحول لا ينبغي فهمه بوصفه قطيعة مع النخبة التقليدية، بل باعتباره إعادة ترتيب لمعايير الشرعية. فالقبيلة، والامتداد الاجتماعي، والتمثيل الانتخابي، ما زالت عناصر مؤثرة في الحياة السياسية، لكن يبدو أنها لم تعد وحدها كافية لتفسير صعود بعض الفاعلين أو استمرار حضورهم.

ومن زاوية مؤسساتية، يمكن تفسير ذلك بأن المشاريع الكبرى تفرض متطلبات مختلفة. فكلما ارتفع مستوى تعقيد السياسات العمومية، ازداد الطلب على خبرات تتجاوز العمل الانتخابي التقليدي. وهذا لا يعني أن التجربة الإدارية تتفوق بالضرورة على الشرعية الديمقراطية، وإنما يعني أن المجالين أصبحا أكثر تداخلا مما كانا عليه في السابق..مع ذلك، فإن هذه الفرضية تستحق أن تُناقش نقديا.

فإذا كان معيار الكفاءة يكتسب أهمية متزايدة، فإن الاقتصار عليه قد يثير أسئلة تتعلق بالتداول وتجديد النخب والتمثيل السياسي. كما أن مفهوم "الكفاءة" نفسه ليس مفهوما محايدا، إذ يظل خاضعا لاختلاف التقديرات والمعايير، وقد يتأثر بالسياقات السياسية والمؤسساتية. لذلك، فإن أي قراءة تعتبر أن النخبة المؤسساتية أصبحت النموذج الوحيد ستكون قراءة تبسيطية بقدر تبسيط القراءة التي تختزل المشهد في القبيلة أو في الانتخابات وحدها.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه الفرضية تكمن في أنها تدعو إلى إعادة النظر في الأدوات التحليلية التي نقرأ بها الأقاليم الجنوبية. فبدل الاقتصار على خرائط النتائج الانتخابية أو التحالفات الحزبية، يصبح من المفيد دراسة مسارات الفاعلين، وأنماط إدارة المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين المشاريع الاستراتيجية والتمثيل المحلي، لفهم كيف تتشكل النخب في سياق يتغير بسرعة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت النخبة التقليدية قد انتهت، ولا ما إذا كانت النخبة المؤسساتية قد حلت محلها بصورة كاملة، وإنما ما إذا كانت الأقاليم الجنوبية تشهد بالفعل مرحلة انتقالية تعاد فيها صياغة معايير الشرعية السياسية. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن أثرها لن يقتصر على هذه الجهات، بل قد يمتد إلى النقاش الأوسع حول مستقبل النخبة العمومية في المغرب، وكيفية التوفيق بين متطلبات الكفاءة، ومقتضيات التمثيل الديمقراطي، واستمرارية المشاريع الاستراتيجية للدولة..