كتبت خلال هذين اليومين مشاركا في النقاش حول حدث اقتحام سبتة. واقترحت زوايا اخرى للتفكير والنظر غير الزاوية المألوفة المطروقة التي تعيد انتاج نفس الخطاب الذي يلقي باللائمة على السياسات العمومية. وهذا لم يعجب من تعودوا على السير في الطرق المعبدة دون جهد، وخيل اليهم انني أعمل على تحويل الانتباه عن نقد السياسات العمومية وتغليط الرأي العام. والحال أنني لم أبتعد عن هذا المجرى إلا لأن انتقاد هذه السياسات هو الآن جزء من الثقافة الرسمية للدولة نفسها، لا يكاد يخلو منه خطاب ملكي ولا تقرير من تقارير المؤسسات الوطنية الرسمية، قبل المعارضة، مما يعني ان لا احد في البلد يعتبر ان من مصلحته حجب الاختلالات او دفعها تحت السجاد. ومما يعني ان المغرب الرسمي في اعلى مستوياته تجاوز منطق تمجيد الذات منذ عقود، ويعتبر أسلوب الهروب من المسؤولية، أسلوبا عقيما لا يسمن ولا يغني من جوع. وهذا في حد ذاته أربك بشكل واضح خطاب المعارضة المبدئية، وحكم عليها بضرورة بذل مزيد من الاجتهاد لاجتراح مناطق عمل جديدة.
عزيز المعلق الكريم!..
دعني اطمع قليلا في نباهتك، فاطلب منك ان تساعدني في فهم هذه المعضلة التي استعصت علي وعلى من قرأ منشوري السابق:
يقول المحللون البارعون الذين يرتضي الجميع مقالتهم: إن المعنى الوحيد الذي ينبغي فهمه من مسعى الهجرة الجماعية المكثفة والتي بلغت مداها بحمل الرضع والعجزة على الاكتاف ومواجهة اهوال البحر بهم، هو هروب المغاربة من وضع جحيمي كارثي يائس يعيشون فيه.
وأقول أنا المضلل (بكسر اللام الوسطى أو فتحها؛ كما تشاء): إن الجزء الاكبر من هذه التصرفات، تنطوي على شيء من عدم المعقولية.
والمعضلة التي اطلب منك ايها المعلق النبيه ان تساعد بالتفكير فيها هي: اي درجة من كارثية الاوضاع في المغرب تجعل من المعقول ان تضحي أنت او غيرك بأطفالكم الرضع، او بأمهاتكم العجائز، وأنتم تعرفون عبثية هذه المغامرة؟
هل يمكنك اخي المعلق الكريم ان تسهم معي في تطوير النقاش، فتدلني على اي بلد في العالم يهرب منه الناس بهذا الشكل وهو لا يعيش حالة حرب معروفة، ولا اقتتال داخلي، ولا كوارث فوق طاقة البشر؟ وأرجوك وأنت في غمرة التفكير ان تتخلى عن انفعالات المراهقين الهرمونية.
انا شخصيا تابعت كما تابع العالم كله ما تعرض له أهل غزة من جرائم الإبادة، ولكنني لم أر الغزويين ينزحون عبر البحر بهذه الصور، لا سيما وأن الشواطئ المصرية على مرمى حجر منهم.؛ أريد ان أفهم: هل الجحيم الذي عاشته غزة مثلا، خلال ثلاث سنوات، يقارن بما تريد بعض الأصوات ان تقنعنا به من جحيم في بلدنا؟ فلماذا لم يحمل الغزويون اطفالهم وجداتهم على المناكب ويدخلوا البحر، كما فعل هؤلاء الذين يتهرب الجميع من انتقاد لا عقلانية سلوكهم، بدعوى ان لهم ما يبرره؟ الى متى سنستمر في التهرب من مواجهة بعض الحقائق البدهية؟
ايها المعلق الكريم!.. ها أنت تشهد انني ما زلت انتظر جواب أصحاب نظرية الهروب عن السؤال الذي طرحته عليهم في منشوري السابق، وتملصوا منه، بمحاولة توجيه النقاش الى المجرى المعتاد: الحديث عن فشل السياسات العمومية، رغم ان هذا الحديث لا يحتاج الى تدوينات مني او من غيري، ما دام يشكل جزءا من الخطاب الرسمي للدولة.
وسؤالي الذي ما زال قائما وينتظر الرد هو: اذا كان ما يتبناه اصحاب نظرية الهروب صحيحا وكافيا لتفسير مظاهر اللاعقلانية، التي يرفضون انتقادها، فلماذا لم يضطرهم واقع المغرب الجحيمي هم ايضا للهروب؟ ولماذا لم يحاولوا ذلك؟ هل يعيشون واقعا آخر؟






