إنها، قبل كل شيء، مرآة تعكس اختلالات عميقة في السياسات العمومية الموجهة للشباب، وتدفع إلى إعادة طرح سؤال ظل مؤجلاً لسنوات ماذا بقي من مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي كانت تؤدي دورًا حاسمًا في بناء المواطن وصناعة الأمل؟
لقد اعتاد النقاش العمومي، كلما برزت ظاهرة اجتماعية مقلقة، أن ينصرف نحو المعالجة الآنية، بينما تغيب الأسئلة المرتبطة بجذور الأزمة فلا أحد ينكر أن البطالة، والهشاشة الاجتماعية، والفوارق المجالية، والتحولات الرقمية، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل تتداخل في تشكيل قرار الهجرة لدى عدد من الشباب لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التراجع الذي عرفته المؤسسات التربوية غير النظامية، وفي مقدمتها المخيمات التربوية ودور الشباب، باعتبارها إحدى ركائز الوقاية الاجتماعية وبناء الشخصية.
لقد كان المخيم التربوي، في التجربة المغربية، أكثر من فضاء صيفي للترفيه كان مدرسة للمواطنة، ومختبرًا للتعايش، ومجالًا لاكتشاف الذات، وصقل الشخصية، وتنمية روح المبادرة والقيادة والعمل الجماعي.
داخل المخيم كان الطفل يتعلم الانضباط دون إكراه، ويتشبع بقيم المسؤولية، ويختبر معنى العيش المشترك، ويتدرب على الحوار والاختلاف واحترام القانون وهي كلها قيم أصبحت اليوم من صميم ما يعرف بالمهارات الناعمة، التي تشكل أساس الاندماج الاجتماعي والنجاح المهني.
وبالموازاة مع ذلك، كانت دور الشباب تمثل الامتداد الطبيعي لهذه الرسالة التربوية على مدار السنة فمن خلالها كانت الحركة الجمعوية تؤطر آلاف الأطفال واليافعين والشباب في مجالات الثقافة والفنون والرياضة والعمل التطوعي، بما يجعلها فضاءات لصناعة المواطن، لا مجرد بنايات إدارية.
غير أن الواقع الحالي يكشف عن مسار مغاير فعدد من دور الشباب يعاني نقصًا في التجهيزات أو محدودية الخدمات، فيما تعرف مناطق أخرى خصاصًا في هذه الفضاءات أصلًا، إلى جانب تراجع التأطير التربوي ونقص الموارد البشرية المتخصصة..
أما المخيمات، فقد تأثرت بدورها بإكراهات متعددة، سواء على مستوى البنيات أو الإمكانات أو استمرارية البرامج، وهو ما انعكس على قدرتها في الوصول إلى أوسع شريحة من الأطفال والشباب.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار ليس فقط كيف نمنع الشباب من المخاطرة بحياتهم بل أيضًا كيف نبني لديهم أسباب البقاء وكيف نجعل الوطن فضاءً للأمل والانتماء وتحقيق الذات.
فالاستثمار في المخيمات التربوية ودور الشباب ليس ترفًا اجتماعيًا، ولا بندًا ثانويًا في الميزانية، بل هو استثمار في الأمن الاجتماعي والثقافي للمملكة وكل درهم يخصص لتأهيل فضاءات الشباب، وتكوين المؤطرين، ودعم الجمعيات الجادة، وتوسيع العرض التربوي، هو مساهمة في الوقاية من الهدر المدرسي، والانحراف، والتطرف، واليأس، والهجرة غير النظامية.
إن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي تراهن على التربية غير النظامية لا تبني فقط شبابًا أكثر كفاءة، بل تبني مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة الأزمات فالتنمية لا تقاس بحجم البنيات التحتية وحدها، وإنما أيضًا بقدرة المجتمع على إنتاج مواطن يشعر بالانتماء، ويؤمن بجدوى المشاركة، ويرى مستقبله داخل وطنه.
إن ما وقع في محيط بابي سبتة ومليلية يجب أن يتحول إلى لحظة وطنية للمراجعة، لا إلى حدث موسمي ينتهي بانتهاء التغطية الإعلامية فالمطلوب اليوم هو إطلاق سياسة عمومية متكاملة للشباب، تجعل من المخيمات التربوية ودور الشباب مؤسسات استراتيجية للتنشئة، وتعيد الاعتبار للحركة الجمعوية كشريك أساسي في التربية والتأطير، مع توفير الإمكانات البشرية والمالية الكفيلة بتمكينها من أداء رسالتها.
إن بناء الإنسان كان دائمًا المدخل الحقيقي لبناء الأوطان وإذا كانت المملكة قد حققت إنجازات مهمة في مجالات متعددة، فإن الاستثمار في الرأسمال البشري، وخاصة في الطفولة والشباب، يظل التحدي الأكبر فالمجتمع الذي ينجح في احتضان شبابه داخل فضاءات للتربية والإبداع والمشاركة، هو المجتمع الذي يقل فيه الإحباط، وتتراجع فيه الرغبة في الهروب، ويترسخ فيه الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يصنع هنا، لا ماوراء البحار.






