مجتمع وحوداث

حك النحاس: الاحتمال الذي أصبح خبرا... ماذا يقول الإعلام الإسباني؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

منذ انتهاء أحداث سبتة، لم يعد الإعلام الإسباني منشغلا فقط بما وقع، بل بما قد يقع..وهذا تحول يستحق التوقف عنده.

فخلال الأيام الماضية، نشرت أكثر من وسيلة إعلامية إسبانية، من بينها إل باييس وإل كونفيدنسيال، تقارير تتحدث عن دعوات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تحدد يوم 15 أغسطس موعدا لمحاولة عبور جماعي جديدة نحو سبتة.

قد يعتقد البعض أن الأمر مجرد متابعة صحفية عادية، لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا كتب بعض الشباب على فيسبوك؟ بل: لماذا قررت الصحافة الإسبانية أن تجعل من ذلك خبرا؟

فالصحافة، حين تختار موضوعا، لا تختار فقط ما حدث، بل تختار أيضا ما يستحق أن يشغل الرأي العام..وهذا يعني وجود توجه جديد و لافت.

في الأيام الأولى للأزمة، كان الإعلام منشغلا بتغطية الوقائع: أعداد الوافدين، الضحايا، الإجراءات الأمنية، والمواقف السياسية..

أما اليوم، فقد انتقل إلى مرحلة مختلفة، مرحلة إدارة الاحتمال.

لم يعد يتحدث عن موجة هجرة وقعت، بل عن موجة قد تقع.

وليس في هذا ما يثير الاستغراب من الناحية المهنية. فمن حق أي وسيلة إعلام أن تتابع المؤشرات التي تراها ذات أهمية. لكن عندما تتكرر الرسالة نفسها في أكثر من منبر، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام تغطية لواقع قائم، أم أمام بناء مناخ عام يعتبر أن الأزمة لم تنته بعد؟..إن الفرق بين الأمرين كبير.

فالخبر ينقل ما وقع، أما الحديث المتكرر عن سيناريو مستقبلي، فإنه يساهم في تشكيل إدراك المجتمع للخطر، حتى قبل أن يتحول ذلك الخطر إلى واقع.

ولعل هذا ما يفسر انتقال النقاش في إسبانيا من سؤال: كيف وقعت أحداث سبتة؟ إلى سؤال آخر: متى ستتكرر؟..إنه انتقال من تفسير الأزمة إلى انتظار الأزمة.

وهذا في حد ذاته تطور سياسي وإعلامي له دلالاته..لكن في المقابل، يفرض هذا الواقع سؤالا آخر على الجانب المغربي.

إذا كانت وسائل الإعلام الإسبانية تجد في فضاء التواصل الاجتماعي مادة تبني عليها فرضياتها، فأين الرواية المغربية التي تنهي حالة الالتباس؟

أثناء أزمات كبرى مثل هاته، لا يكفي أن تتحرك الدولة ميدانيا، بل تحتاج أيضا إلى إدارة المجال المعلوماتي، لأن الفراغ لا يبقى فراغا، بل يُملأ تلقائيا بالتأويلات، وبالفرضيات، وبالروايات المتنافسة..و يبقى سؤال أخير، ربما هو الأهم: إذا حل يوم 15 أغسطس ولم تقع أي محاولة عبور جماعي، فكيف سنقرأ ما نشرته الصحافة الإسبانية؟

هل سنعتبر أنها نجحت في التحذير ومنعت تكرار الأزمة؟ أم سنعتبر أنها ساهمت في تحويل احتمال غير مؤكد إلى قضية رأي عام؟ الإجابة ليست بسيطة.

لكن المؤكد أن أحداث سبتة لم تعد مجرد أزمة هجرة غير نظامية، بل أصبحت أيضا أزمة سرديات..سياسيا، لا تكفي إدارة الوقائع... بل يجب أيضا إدارة التوقعات.

من ينجح في إدارة التوقعات، يملك جزءا كبيرا من القدرة على توجيه الرأي العام، حتى قبل أن يقع الحدث..