تحليل

سبتة: الصراع الجيو-ستراتيجي حول مضيق جبل طارق

عبد الدين حمروش (كاتب)

كانت مدينة الفنيدق طبيعية، في مثل هذه الأيام من الصيف، إلا من جلبة الزوار المصطافين، الذين يتجولون في الشارع العام جيئة وذهابا. بين عشية وضحاها، جد الناس سيرا في اتجاه واحد، بسرعة وكثافة: نحو بوابة الدخول إلى سبتة المحتلة! ماذا حدث؟ كل من تسأله في الشارع العام، يجيبك، بتلويحة من رأسه، وعيناه شاخصتان باتجاه المعبر المفتوح.

العابرون خفافا، من جميع الفئات العمرية، ذكورا وإناثا، لم يتوفر لديهم الوقت ليتوقفوا قليلا، ويفكروا في ما هم مقدمون عليه. بالتأكيد، صور انفتاح البوابة قد وصلتهم من أصدقائهم وأقربائهم. الرسالة بالصوت والصورة: لقد فتحوا البوابة أخيرا! كيف يكون ذلك؟ في البداية، لم يصدق العقل الخبر، أما الخيال فظل عالقا بعض الوقت. المهرولون إلى بوابة المعبر لا يريدون أن يتأخروا في الوصول. كل واحد لا يتمنى أن يصل متأخرا، ومن ثم يهدر فرصة عمره، التي طالما حلم بها.

أين هم رجال الأمن؟ هل اختفوا عن المشهد بقرار؟ أم ذابوا في الجلبة (مشهد العابرين)، مثلما يذوب فص الملح في الماء؟ الحقيقة الواحدة، التي لم يعد يختلف حولها اثنان، هي أن بوابة المعبر قد انفتحت. أما السؤال عن “لماذا”، فالإحالات إلى مشهد عبور 2021 كانت متواترة. إحداها، أن المخزن غاضب من بعض مخرجات زيارة رئيس الحكومة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر. عدم الاطمئنان التام إلى حكومة سانشيز، في موقفها من مقترح الحكم الذاتي، كان قائما إلى حد ما. انتظار أن يحصل التغيير في الموقف متوقع في أي لحظة. تحس أن الموقف لدى إسبانيا لم يبلغ قوة موقف فرنسا ماكرون، وإن جاء متأخرا عن موقف نظيرتها الإسبانية. جزائر السيد تبون، التي لا قضية لها غير معاكسة المغرب في وحدته الترابية، تقايض حاكم المونكلوا بالغاز، مقابل التراجع عن الاعتراف بخيار الحكم الذاتي. ولكن، هل يصل الأمر بالمخزن إلى أن يضحي بعدد من مواطنيه، في معركة العبور المؤقت؟

حين سكت المغاربة، نطق الإسبان. ولماذا ينطق المغاربة؟ دولة القضاة في إسبانيا هي التي أنتجت القرار، من خلال الحكم بعدم شرعية إرجاع المهاجرين سباحة إلى الثغر المحتل. القرار أحرج الحكومة الإسبانية مثلما أحرج المخزن. ماذا بإمكان المغرب أن يصنع في مثل هذه الحالة؟ الشأن شأن إسباني، دون نسيان أن المغرب يكفيه التعبير عن استعداده للتعاون، إن وقع طارىء عند أحد المعبرين. هذا ما اعترف به أكثر من مسؤول إسباني، ابتداء برئيس الحكومة بيدرو سانشيز نفسه. لسبب أو لآخر، المسؤولون المغاربة ظلوا غارفين، حتى آذانهم، في ترتيبات الاحتفال بعيد العرش، التي كانت تجري قريبا من سبتة المحتلة بعدة كيلومترات قليلة. وفي خلال مبالاتهم المقصودة أو غير المقصودة، كنا نقرأ عن برودة المخزن: لا بيان رسمي، ولا حتى تعزية في من قضوا من المغاربة، يوم العبور الكبير!

فجأة، صار المغرب على طرف كل لسان. الوكالات الدولية تنقل مشهد العبور، وأحداثه لحظة بلحظة. أما التصريحات السياسية، فقد تصاعدت لدى المسؤولين الأوروبيين، كما لدى الأمريكيين. كل واحد وجد في مشهد العبور ضالته، ليصفي حساباته مع خصومه وأعدائه: اليمين المعارض للهجرة ضد اليسار الإنساني “المتساهل”، وترامب، المسكون بتخويف الأمريكيين من الاجتياح المكسيكي، ضد الديمقراطيين ويسارييهم، وصناع الإبادة الجماعية في غزة، من الصهاينة ولوبياتهم، ضد حكومة سانشيز المتعاطفة مع ضحايا المحرقة من الفلسطينيين.

لقد بلغ الأمر حد الانقلاب على إسبانيا من داخل دول الاتحاد نفسها. إيطاليا، ألمانيا، فنلندا بادرت إلى الدعوة بفض تحالف “شنغن” مع إسبانيا. أما الفرنسي ماكرون، وإن بلغة أخف، فقد طالب بمزيد من الصرامة عند الحدود مع إسبانيا. حكومة سانشيز، المعزولة أوروبيا، والمستهدفة من قبل اليمين الإسباني، الذي تتالت ضرباته، على بعد خطوة من الانتخابات، وجدت نفسها “عريانة”. ممن قرؤوا أحداث المعبر، باعتبارها “قرصة” من المخزن، بعد أن تناهى إلى سمعه ما كان يطبخه سانشيز في “قصر المرادية”، تحت ضغط الحاجة إلى الغاز، حيث الشتاء مقبل على الأبواب، ذهب بعضهم إلى حد الإعلان عن وجود تحالف لمعاقبة حكومة سانشيز: تحالف بين الأمريكان والصهاينة والمخزن! هكذا، ودفعة واحدة!!!

إن مأساة العبور إلى سبتة غدت واقعا وحقيقة اليوم. وليس لنا، في هذه اللحظة، إلا الترحم على أرواح الذين قضوا، وهم يمنون الأنفس بالوصول إلى البر الإسباني، بل الثغر المغربي المحتل. لقد قضوا شهداء، حتى وإن كانت الهجرة إلى غد اجتماعي أفضل هدفهم الأول والأخير. نعم، شهداء! فبعبورهم، أدرك الإسبان استحالة الاحتفاظ بسبتة ومليلية وباقي الجزر المغربية، مهما طال الزمان والعهد. هي مسألة وقت. ولعل الرسالة وصلت، حين قرأ بعض الإسبان مشهد العبور الأخير باعتباره مسيرة شعبية ثانية، أو مسيرة زرقاء. العالم اطلع على حقيقة وجود مدينة (أو مدينتين مغربيتين) في شمال إفريقيا. ماذا تفعل إسبانيا هناك، حيث الاحتفاظ بالمدينتين مكلف لها ولأوروبا كاملة. رب ضارة نافعة، قد يقول المغاربة حتى ولو أن صورتهم تكدرت، وبخاصة بعد الاستثمار في ترويج صور البنيات التحتية الحديثة، وكذا النجاحات المبهرة في تنظيم اللقاءات الفنية والرياضية الكبرى. من أجل سبتة و مليلية، كل “شيء” قد يهون. لا يهم أن الصورة، الاجتماعية والحضارية المسوقة، قد تلطخت. لكن أرواح المواطنين ليست من الأشياء بالتأكيد!!!

مثل الإسبانيين، المغاربة يستعدون للانتخابات التشريعية في المنظور القريب. مغربيا، من الطبيعي أن يتم التركيز على الوضع الاجتماعي المزري، نتيجة لتفشي الفساد الإداري والاقتصادي، ولفشل السياسات التنموية المتبعة حتى الآن. لكن، هل الهجرة، من من قبيل ما شاهدنا، هي من مخلفات الفقر بالدرجة الأولى؟ هل يعيش المغرب مجاعة متفاقمة، كان من دواعيها الهروب الذي تابعنا من البلاد؟ ما من شك في أن ما ذكرنا من دواعي ذلك، في ظل الاستمرار في احتكار الثروة، وتداخل السلطة مع المال. غير أن معضلة وجود أكثر من مليون ونصف من الشباب المغاربة، ممن تقل أعمارهم عن 36 سنة، خارج الجامعات ومؤسسات التكوين، آخذ في الضغط على المجتمع. شباب يوجدون على الهامش، يرفضون الالتحاق بسوق الشغل (إن وجدت مناصب)، نظرا لضعف الأجور من جهة، ولظروف العمل القاسية من جهة أخرى. هؤلاء الشباب الذين لا يدرسون، ولا يتقنون أي مهنة يدوية أو غير يدوية، حسموا أمرهم: في انتظار تحقق حلم الهجرة إلى أوروبا، وإن أضحى هذا الحلم أقرب إلى الكابوس، جراء ما تعيشه أوروبا نفسها من أزمات اجتماعية.

نادرا ما التفت المحللون المغاربة (صحافيين، وأساتذة، ونشطاء مدنيين، وسياسيين) إلى البعد الجيو- استراتيجي في ما حصل بمعبر سبتة. لقد دخل المغاربة، ثم خرجوا. كيف يمكن الاستفادة مما حدث، وقد أزهقت أرواح بريئة جراءه؟ سبتة و مليلية صارتا، منذ فترة قليلة، معبرين مركزيين في جنوب المتوسط. ما يجري في مضيق هرمز يلقي بظلاله على الدور الاستراتيجي المراد لمضيق جبل طارق. وكما هو معلوم، فالمغرب، إضافة إلى إسبانيا، يتحكمان في هذا المضيق الجنوبي. من جهته، لا يقتصر التوظيف المغربي على تغيير مواقف الدول من “قضية الصحراء” لصالحه فقط. فمن المؤكد أن الفاعل السياسي المغربي يتابع تصاعد الصراع العالمي حول المضائق، وأهميتها الحيوية في نقل موارد الطاقة. وهو يشيد موانئ كبرى، نظير ميناءي طنجة والناضور في المتوسط، ويبني القواعد البحرية على طول الساحل، إنما يتجه إلى لعب دوره كاملا في الضفة الجنوبية. التعاون مع الأوروبيين، في تدبير موضوع الهجرة السرية، مجرد ورقة من الأوراق. ولذلك، لا خوف من تأثير مخرجات زيارة سانشيز على الموقف الإسباني من مغربية الصحراء بتاتا. وحتى اليمين الإسباني، المستعد للانقضاض على السلطة الحكومية قريبا، ليس بإمكانه لي كتف جاره الجنوبي. الرسالة التحذيرية، بالنسبة إلى من لا ينصت جيدا في الجارة الشمالية، جاهزة: المغرب ليس حارسا للأوروبيين. وموضوع الهجرة يتجاوز إمكانياته. وسبتة ومليلية ينبغي أن يعودا إلى الوطن الأصلي، لوضع حد لمأساة الحراݣة من الجنوب بشكل جذري. وكما قيل عن إيران، بحكم تحكمها في مضيق هرمز، الذي تعتبر ورقته أهم من ورقة امتلاك النووي، يقال عن المغرب. فعلى الرغم من عدم امتلاكه موارد الطاقة، التي بيتت الجزائر توظيفها ضد مصالح المغرب الترابية، فالأخير يمتلك ما هو أغلى من الغاز: يمتلك أحد أجنحة مضيق جبل طارق، علاوة على ميناءي طنجة والناضور.

أكان ذلك مدبرا أم غير مدبر، من هذه الجهة أم من تلك، فقد أكدت أزمة سبتة تدخل المغرب الحاسم. فهل ستكف إسبانيا، بيسارها ويمينها، عن اللعب بورقة الصحراء؟