في المغرب الكبير. تبدو الجغرافيا أحيانًا أكثر حكمة من السياسة. فالخرائط متجاورة. والجبال تعرف بعضها. والرياح لا تتوقف عند المعابر الحدودية. والبحر لا يطلب تأشيرة دخول. وحده السياسي هو الذي نجح. عبر عقود. في تحويل الجوار إلى خصومة. والتاريخ المشترك إلى ملف أمني. والمستقبل إلى رهينة مؤجلة.
لقد أصبح نزاع الصحراء. في نظر كثير من المراقبين. أكثر من مجرد قضية إقليمية. إنه عدسة تُقرأ من خلالها طبيعة العلاقات المغربية الجزائرية. وبينما يرى المغرب أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أساسًا واقعيًا للتسوية. تؤكد الجزائر أنها ليست طرفًا في النزاع. لكنها تدعم حق تقرير المصير. في حين تعتبر الأمم المتحدة الجزائر طرفًا معنيًا يشارك في المسار السياسي إلى جانب بقية الأطراف.
والمفارقة الساخرة أن اتحاد المغرب الأمازيغي يشبه منذ سنوات قصرًا جميلًا تُركت مفاتيحه في جيب الماضي. مؤسسات قائمة على الورق. واجتماعات مؤجلة. وأحلام معلقة. بينما تتحرك تكتلات إقليمية أخرى بسرعة نحو التكامل الاقتصادي. وبناء الأسواق المشتركة. وربط الموانئ والسكك الحديدية والطاقة.
كأن المنطقة قررت أن تكون المتحف الوحيد في العالم الذي يعرض مشروعًا للوحدة لم يغادر مرحلة الافتتاح.
تخيلوا فقط حجم المفارقة...
أوروبا.التي خاضت حربين عالميتين حصدتا عشرات الملايين من الأرواح. انتهت إلى اتحاد اقتصادي وسياسي واسع. أما نحن. فما زلنا نختلف حول كيفية إدارة خلافاتنا أكثر مما نتفق على كيفية استثمار ثرواتنا.
لسنا فقراء في الموارد. بل في القدرة على تحويلها إلى مشاريع مشتركة. ولسنا فقراء في الإمكانات. بل في الثقة السياسية. فالغاز موجود. والفوسفات موجود. والموانئ موجودة. والشباب موجود. والأسواق موجودة. لكن الإرادة المشتركة ما زالت تبحث عن عنوان.
كل سنة تمر من دون تعاون مغاربي أعمق ليست مجرد سنة ضائعة. بل فرصة اقتصادية تضيع. واستثمارات تتجه إلى أماكن أخرى. وشباب يهاجر بحثًا عن أفق أرحب. وهنا تكمن المأساة: حين تصبح الخلافات السياسية أطول عمرًا من أحلام الأجيال.
ومن السهل جدًا أن تبني خطابًا يقوم على التخويف من الجار. أما الأصعب. فهو أن تبني سياسة تجعل الجار شريكًا في التنمية. فالأول يحتاج إلى مكبر صوت. والثاني يحتاج إلى رؤية.
إن أي نظام سياسي. أيًا كان. لا يقاس فقط بقدرته على إدارة الأزمات. بل أيضًا بقدرته على صناعة الفرص. فالتاريخ لا يمنح الأوسمة لمن أطال النزاعات. بل لمن نجح في إنهائها أو إدارتها بطريقة تفتح أبواب المستقبل.
ومع اقتراب عام 2030. يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل ستظل المنطقة أسيرة الملفات القديمة. أم ستنجح في تحويل طاقاتها نحو الاقتصاد. والتعليم. والبحث العلمي. والتكامل الإقليمي؟
إن كأس العالم الذي سيستضيفه المغرب مع إسبانيا والبرتغال ليس مجرد حدث رياضي. بل تذكير بأن العالم يكافئ من يبني الجسور أكثر مما يكافئ من يبني الجدران. والاقتصاد الحديث لا يسأل كثيرًا عن الشعارات. بل عن الاستقرار. وسهولة الاستثمار. وجودة البنية التحتية. وقدرة الدول على التعاون.
ربما لا يختلف كثيرون على أن مستقبل المغرب الكبير سيكون أكثر إشراقًا إذا تراجعت حدة التوترات. وتوسعت مساحات التعاون. لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر قرارات سياسية شجاعة. وحوار. وإرادة تتجاوز منطق الصراع الدائم.
في النهاية. لا يمكن لأي شعب أن يربح إذا ظل جاره يخسر. ولا يمكن لمنطقة أن تنافس العالم وهي منشغلة. منذ عقود. بإعادة تدوير الخلاف نفسه. فالتاريخ لا ينتظر المترددين. والقطارات التي تحمل التنمية لا تتوقف طويلًا في المحطات التي يعلو فيها ضجيج السياسة على صوت المستقبل.






