من المؤكد أن بعض الأفراد يلجون التنظيمات السياسية بدوافع تختزل المبادئ في تحقيق منفعة شخصية، بعيداً عن منطق الاستحقاق وتكافؤ الفرص. وهكذا تتحول الممارسة التنظيمية من فضاء لخدمة المشروع الجماعي المجتمعي إلى وسيلة لتحقيق مصالح فردية، فيسود منطق: «أنا أولاً، وبعدي الطوفان». وتبرز سلوكيات من قبيل: هذه التزكية حقي وليست لغيري، وهذه العضوية في المكتب السياسي يجب أن تكون لي، وهذا المنصب في الديوان الوزاري من نصيبي، وإلا قدمت استقالتي أو عطلت عمل التنظيم في الفروع المحلية او الاقليمية او الجهوية .
ولا تعبر هذه الممارسات عن اختلاف سياسي ديمقراطي مشروع بقدر ما تعكس نزعة نفعية تجعل المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة، وتتعامل مع الحزب باعتباره وسيلة للترقي الشخصي لا باعتباره إطاراً جماعياً للفكر والقرار والنضال.
ومن منظور علم النفس التنظيمي، يمكن فهم هذه السلوكيات في إطار مفاهيم مثل السلوك الانتهازي (Opportunistic Behavior)، والنزعة إلى الاستحقاق (Psychological Entitlement)، والسلوك المضاد للإنتاجية التنظيمية (Counterproductive Work Behavior)، وهي مفاهيم تشير إلى أن بعض الأفراد ينظرون إلى التنظيم باعتباره مورداً ينبغي استغلاله، لا جماعة ينبغي الإسهام في بنائها.
أما علم الاجتماع السياسي فيبين أن التنظيمات، كلما ضعفت فيها ثقافة المؤسسات والانشطة الاشعاعية والتواصلية مع المواطنين والراي العام بقدر الإمكانات المتاحة ، قد تتحول إلى فضاء لصراع المصالح الشخصية، فتبرز شبكات ولاء، الزبونية (هاك. >> أرى ) والبحث عن النفوذ، بدل التنافس الديمقراطي حول المبادرات التنظيمية وابداع مهارات التواصل ونضالات القرب باعداد ملفات انشغالات الناس بمطالبهم المشروعة في مختلف الخدمات العمومية الاساسية ومراسلة الجريدة و انجاز ربورطاجات حول معضلات الشان المحلي القروي و في الضواحي والتعريف بمواقف وبلاغات المكتب السياسي الخ .
وفي هذا السياق، يصبح الابتزاز التنظيمي أحد أخطر مظاهر الانتهازية، حين يلجأ بعض الأفراد إلى التهديد بالاستقالة، أو تعطيل الفروع، أو شل الهياكل التنظيمية، أو إثارة الأزمات كلما تعارضت قرارات المؤسسات مع مصالحهم الخاصة. هنا لا يعود الخلاف حول الأفكار، بل يصبح التنظيم نفسه رهينة لإرادة فرد أو مجموعة صغيرة.
ومن زاوية علم النفس الاجتماعي، قد تتقاطع هذه السلوكيات مع أنماط معروفة، مثل الإحساس الدائم بالمظلومية، أو لعب دور الضحية، أو تضخم الأنا، أو الحاجة المفرطة إلى الاعتراف الاجتماعي. وهي أنماط قد تدفع صاحبها إلى اعتبار أي نجاح لغيره تهديداً لمكانته، فيتحول النقد المشروع إلى معارضة دائمة لكل سلطة تنظيمية، بصرف النظر عن مضمون قراراتها.
ويمكن، على سبيل الاستئناس الفكري لا التشخيص، الاستفادة من بعض مفاهيم التحليل النفسي، ومنها مفهوم "القتل الرمزي للأب"، الذي استُخدم لتفسير بعض آليات الصراع مع السلطة الرمزية. فقد تتحول الرغبة في إزاحة الزعيم أو المسؤول أو القيادي إلى وسيلة لإثبات الذات، لا نتيجة اختلاف سياسي موضوعي، بل بدافع نفسي يرتبط بإعادة إنتاج علاقة الفرد بالسلطة والاعتراف.
كما قد تظهر لدى بعض الأفراد نزعة إلى التماهي المبالغ فيه مع الشخصيات التاريخية أو القيادات الكاريزمية، بما يفضي إلى تضخم صورة الذات، والشعور برسالة استثنائية، والانفصال التدريجي عن الواقع التنظيمي ومتطلباته.
ولا يعني استحضار هذه المفاهيم إصدار أحكام تشخيصية على أفراد بعينهم، فالتشخيص النفسي يظل من اختصاص المختصين. وإنما المقصود هو توظيف بعض النماذج النظرية لفهم أنماط سلوكية قد تظهر داخل التنظيمات السياسية أو النقابية أو الجمعوية.
إن هذه الظواهر تستدعي، في تقديري، نوعاً من الافتحاص التنظيمي والثقافي أكثر من الاكتفاء بالافتحاص الإداري (رقم البطاقةالوطنية/ الانتماء الى تنظيمات سابقا سياسية او نقابية ..../المهنة ). فالتنظيم الذي يفتح أبوابه للجميع يحتاج أيضاً إلى آليات تساعد على ترسيخ ثقافة الالتزام الجماعي، واختبار استعداد المنخرط لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، واحترام المؤسسات، وقبول التداول الديمقراطي على المسؤوليات.
ولذلك، قد يكون من المفيد تنظيم لقاءات وورشات تكوينية وحوارات تأطيرية، تستند إلى مبادئ علم النفس التنظيمي، وأخلاقيات العمل السياسي، والديمقراطية الداخلية، بما يساعد على بناء شخصية تنظيمية تؤمن بأن الحزب ليس سلماً ومصعدا لتحقيق الطموحات الفردية، وإنما فضاء جماعي لإنتاج الفكر واتخاذ القرار خدمة للوطن والشعب .
إن هذه المقاربة لا ترمي إلى تقييد الديمقراطية الداخلية أو تجاوز مقتضيات القانون الأساسي والنظام الداخلي، بل تسعى إلى الإسهام في بناء ثقافة تنظيمية تجعل الالتزام بالمبادئ والقيم ومواقف وقرارات الحزب فوق المصالح الشخصية ، وتحمي التنظيم من السلوكيات الانتهازية والمرضية التي قد تضعف وحدته وفعاليته.
وفي النهاية، تبقى هذه مجرد محاولة للفهم، تنطلق من خبرة ميدانية طويلة، وتستأنس بمقاربات علم النفس التنظيمي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع السياسي، دون ادعاء امتلاك تفسير وحيد أو نهائي لتعقيد السلوك الإنساني داخل التنظيمات السياسية او النقابية والمدنية.
محاولة للفهم






