رأي

يوسف عبد القوي: مشروع القانون 66.23 في ميزان القضاء الدستوري.. رد علمي على الأستاذ فوزي السعيدي

في إطار النقاش القانوني والدستوري الهادئ، وتفاعلا مع المقال التحليلي للأستاذ فوزي السعيدي، نورد هذا الرد العلمي المستند إلى الضوابط والمبادئ المؤطرة لـ "القضاء الدستوري" المغربي. 

إن الغاية هنا ليست مجرد الاختلاف في التقدير التشريعي، بل تبيان كيف أن المقتضيات المقترحة في مشروع القانون رقم 66.23 تمس بجوهر القواعد الدستورية الصلبة، وذلك وفق الردود المفصلة التالية:

​أولا: الرد على دعوى كفاية المشورة وغياب "حق الفيتو" (الديمقراطية التشاركية):

​الموقف المنتقد: يرى الكاتب أن عقد اجتماعات مع الهيئات كاف للقول بتحقق الديمقراطية التشاركية، وأن الدستور لا يمنح الهيئات "حق الفيتو".

​الرد الدستوري: إن مفهوم الديمقراطية التشاركية كما كرسها الدستور المغربي في فصله الأول، وفي الفصلين 12 و13، لا يعطي الهيئات "حق الفيتو" بالتأكيد، ولكنه ينقل "التشاور" من مجرد إجراء شكلي (جلسات استماع لتسجيل الحضور) إلى مبدأ المساهمة الفعلية والحقيقية في إعداد السياسات العمومية والنصوص التشريعية. عندما تأتي صياغة مشروع القانون 66.23 بنصوص تقصي بشكل شبه كلي المقترحات الجوهرية لجمعية هيئات المحامين بالمغرب (باعتبارها المخاطب التاريخي والقانوني للمهنة)، فإن الشبهة هنا لا تتعلق بـ"فرض الإرادة"، بل بفرغ المبدأ الدستوري التشاركي من محتواه وجعله آلية صورية، وهو ما يمثل تراجعا عن المكتسبات الدستورية للمملكة.  

​ثانيا: الرد على تبرير رقابة المجلس الأعلى للحسابات بـ "أموال الغير" و"الاتفاقيات الدولية"

​الموقف المنتقد: يبرر الكاتب خضوع حساب الودائع لرقابة مجلس الحسابات بكونها أموال المتقاضين والموكلين وليست ملكا للمحامين، مستندا إلى الاتفاقيات الدولية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

​الرد الدستوري: إن هذا التبرير يخلط بين "مشروعية الرقابة" وبين "الجهة الدستورية المختصة بالرقابة". بالرجوع إلى الفصل 147 من الدستور، نجد أن اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات محددة ومحصورة في مراقبة "المالية العمومية" وحماية مبادئ الحكامة في تدبير الأموال العمومية والهيئات التابعة للدولة. أموال الموكلين والمتقاضين هي أموال خاصة بامتياز، وعدم خضوعها لمجلس الحسابات لا يعني بقاءها دون رقابة (إذ تخضع لرقابة النقباء، المحاكم، ومؤسسات النقد، والنيابة العامة عند وجود شبهات). وبالتالي، فإن إقحام المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة أموال خاصة يعد مخالفة صريحة لنص الفصل 147 وتطاولا على اختصاصاته الدستورية، ولا يمكن للاتفاقيات الدولية أو القوانين العادية أن تعيد رسم الاختصاصات التي وزعها الدستور بشكل حصري.  

​ثالثا: الرد على مشروعية الإعفاءات من شهادة الكفاءة والتمرين:

​الموقف المنتقد: يستند الكاتب إلى أن القانون الحالي يمنح إعفاءات للقضاة والأساتذة، وأن مبدأ المساواة يجيز اختلاف المعاملة باختلاف المراكز القانونية والخبرة.

​الرد الدستوري: إن القضاء الدستوري استقر على أن التمييز في المراكز القانونية يجوز بشرطين: أن يستند إلى معيار موضوعي، وأن يكون متناسبا مع الغاية من النص. المادتان 12 و13 من المشروع لا تكتفيان بالإعفاء بناء على الخبرة المقبولة تاريخيا، بل توسعان فئات الإعفاء بشكل مفرط وتضعان شروطا تفضيلية متباينة وغير مبررة عقلانيا بين فئات تملك نفس الشواهد أو الخبرات الأكاديمية. هذا التوسع يخل بـ مبدأ تكافؤ الفرص (الفصل 35) والمساواة أمام القانون (الفصل 6)، حيث يتحول الاستثناء إلى قاعدة تضر بالخريجين الشباب وتضرب عرض الحائط بمعيار الكفاءة الموحد لولوج المهن الحرة.  

​رابعا: الرد على دستورية شروط الترافع أمام محكمة النقض

​الموقف المنتقد: يرى الكاتب أن تحديد شروط الترافع يدخل في السلطة التقديرية للمشرع لضمان جودة الدفاع، وليس من اختصاص الدستور تنظيم ذلك.

​الرد الدستوري: نعم، للمشرع سلطة تقديرية في تنظيم المهن، لكن هذه السلطة ليست مطلقة بل يحدها الدستور. المادة 39 فرضت على المحامين الممارسين 10 سنوات أقدمية وتكوينا خاصا للترافع أمام محكمة النقض، في حين أعفت فئات قضائية أو أكاديمية وافدة من هذه المدد أو منحتها امتيازات تفضيلية مجحفة. هذا التمييز لا يخدم "جودة الدفاع" بقدر ما يخدم مصالح فئات معينة على حساب أخرى، مما يجعله تمييزا تحكميا يفتقد للموضوعية والتناسب، وبالتالي يقع تحت طائلة خرق الفصلين 6 و35 من الدستور.  

​خامسا: الرد على نفي "الإغفال التشريعي" في الإحالة على النصوص التنظيمية:

​الموقف المنتقد: يعتبر الكاتب أن الإحالة على التنظيم لبيان التفاصيل (مثل المعادلة الأكاديمية) هو أمر طبيعي ومعمول به، ونفي الإغفال التشريعي عنها.

​الرد الدستوري: إن الإحالة على النصوص التنظيمية مقبولة في الأمور الإجرائية البحتة، لكن المادة 5 أحالت ضوابط جوهرية تمس شروط ممارسة الحق في الشغل والولوج للمهنة إلى قرارات تنظيمية لاحقة. وطبقا للفصل 71 من الدستور، فإن تنظيم الحقوق والضمانات الأساسية للأفراد والمهنيين هو اختصاص أصيل للبرلمان. عندما يتخلى المشرع عن وضع "المعايير الموجهة والملزمة" في صلب القانون ويتركها مطلقة للسلطة التنفيذية، فإنه يقع في خطأ "الإغفال التشريعي"، وهو مبرر كاف لإسقاط المقتضى أمام المحكمة الدستورية.  

​سادسا وسابعا: الرد على تغول وزارة العدل والتراخيص للمكاتب الأجنبية:

​الموقف المنتقد: يدافع الكاتب عن الصلاحيات الممنوحة لوزارة العدل (المواد 5، 11، 34، 35) باعتبارها تعبيرا عن السياسة العامة للدولة والسيادة، ولا تمس استقلال المهنة.

​الرد الدستوري: استقلال المحاماة ليس مجرد شعار شعوري، بل هو مبدأ بنيوي يخدم فصل السلط وضمانات العدالة (الفصل الأول من الدستور). تغلغل وزارة العدل (السلطة التنفيذية) في مفاصل التكوين، الولوج، والترخيص للمكاتب الأجنبية دون إشراك حقيقي ومقرر لهيئات المحامين، يسحب البساط تدريجيا من نظام "التدبير الذاتي والمنظم ذاتياً" الذي يميز المهن الحرة عالميا ودستوريا. 

إن انفراد الوزارة بهذه الصلاحيات يضرب استقلالية لسان الدفاع ويجعلها تابعة إداريا وتشريعيا لقرارات متغيرة للسلطة التنفيذية.  

​ثامنا: الرد على شرعية "التنفيذ المعجل" للعقوبات التأديبية:

​الموقف المنتقد: يرى الكاتب أن العقوبات التأديبية تختلف عن الجنائية، وأن التنفيذ المعجل (التوقيف بمجرد المتابعة) يحمي المصلحة العامة وسمعة المهنة، مع وجود رقابة قضائية لاحقة.

​الرد الدستوري: هذا الطرح يصطدم مباشرة بـ قرينة البراءة المقررة كأصل دستوري في الفصل 23 من الدستور المغربي لجميع المواطنين دون تمييز بصفاتهم المهنية. المادتان 94 و98 اللتان تجيزان التوقيف المؤقت أو التشطيب اللذين ينفذان معجلا بمجرد المتابعة الزجرية وقبل صدور حكم نهائي، تصيبان المحامي في مقتله المهني والمالي والاجتماعي. 

إن معالجة الاختلالات التأديبية لا يمكن أن تتم على حساب هدم الحق في التقاضي وضمانات الطعن الفعال (الفصلين 118 و120)، فالرقابة القضائية اللاحقة لا تصلح ما أفسده التنفيذ المعجل الفوري القائم على مجرد الشبهة أو المتابعة غير المحسومة قضائيا.  

​تاسعا: الرد على شروط الترشح لمجالس الهيئات:

​الموقف المنتقد: يعتبر الكاتب أن تشديد شروط الترشح والنقابة (المادتان 131 و133) يدخل في السلطة التقديرية لضمان النزاهة وحسن التدبير.

​الرد الدستوري: إن وضع شروط إقصائية مفرطة (كالحرمان المؤبد أو الطويل بسبب عقوبات تأديبية سابقة دون التنصيص على آلية واضحة ومحددة زمنيا لرد الاعتبار) يمثل عقوبة مزدوجة ومستمرة تفقد التناسب والعدالة الضمنية. هذا الإقصاء غير المتناسب يخرق مبدأ تكافؤ فرص الاستحقاق الانتخابي المهني ومبدأ المساواة بين المهنيين المشمولين بالفصلين 6 و35 من الدستور.  

عاشرا: الرد على تبرير المساس بضمانات العدالة وحقوق الدفاع

​الموقف المنتقد: يصف الكاتب الدفوعات بالمساس بحقوق الدفاع بأنها عامة وتفتقر للتدقيق، وأن المشروع جاء للتحديث والحكامة.

​الرد الدستوري: إن الملاحظات لم تكن عامة، بل هي منصبة على بنود عينية؛ فالتراجع عن مكتسبات الحصانة المهنية للمحامي أثناء الجلسات، أو تقييد حريته في صياغة دفوعاته، أو فرض مقتضيات تخل بالتوازن بين الدفاع وسلطة الاتهام والمحاكمة، كلها مقتضيات تمس بالفصول 117، 118، و120 من الدستور. لا يمكن بناء "أمن قضائي" أو "تحديث للمرفق" عبر إضعاف المركز القانوني للمحامي؛ فحقوق الدفاع ليست امتيازا شخصيا للمحامي، بل هي الضمانة الدستورية الأساسية للمواطن لنيل محاكمة عادلة.  

​خاتمة الرد:

​بناء على ما تقدم، يتضح أن الطعون الموجهة لمشروع القانون رقم 66.23 لا تنطلق من "خلاف في التقدير التشريعي" كما تفضل الأستاذ فوزي السعيدي، بل هي قراءة متبصرة تحذر من تغلغل مقتضيات تشريعية فرعية تعصف بمبادئ دستورية عليا (المساواة، قرينة البراءة، استقلال المهن، واختصاصات المؤسسات الدستورية كالمجلس الأعلى للحسابات). ولذلك، فإن عرض هذا المشروع على المحكمة الدستورية ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة لحماية الوثيقة الدستورية وصيانة الأمن القانوني للمملكة.