رأي

إيمان الرازي: الصين والدروس المستفادة

عدت أخيرا من رحلة العشر أيام، وكأنها سنة بالتمام والكمال، ضمن برنامج غني ومكثف لزيارة سياسية وثقافية لجمهورية الصين الشعبية، بضيافة الحزب الشيوعي الصيني، بمعية وفد عربي رفيع المستوى لكوادر اليسار العربي، حيث انبهرت منذ لحظة الوصول الأولى التي كانت فعليا ولوجا حيا إلى مختبر فكري وتنموي عملاق، يثبت للعالم أن النهوض الإنساني ممكن خارج إطار الهيمنة، فحملت هذه اللحظة الافتتاحية لدي مزيجا من الإعجاب بإرث بالنموذج التنموي الصيني والذي جعلني مشدوهة أمام الإقلاع الاقتصادي، واقفة أمام طفرة خارقة للعادة لدولة استثمرت في الإنسان، فكان الرهان البشري هو ورقة يناصيب النجاح الرابحة، مستخلصة دروسا عديدة وجب توثيقها والوقوف عند أهم مرتكزاتها:


الدرس الأول: الأبعاد السياسية والاستراتيجية للزيارة.

جاءت الزيارة في توقيت يبحث فيه جزء كبير من المنطقة العربية عن مسارات بديلة تضمن له أمنه القومي واستقلال قراره السياسي والاقتصادي، وقد تمخضت اللقاءات الرسمية مع ممثلي دائرة العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي الصيني عن جملة من المرتكزات الاستراتيجية، من مجملها: إعادة صياغة التوازنات الدولية، حيث أكدت المباحثات بين الجانبين، على الرؤية المشتركة لليسار العربي والحزب الشيوعي الصيني بضرورة العمل الدؤوب على إرساء نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون أكثر عدلا وتوازنا، يحترم سيادة الدول ويمنع التدخل في شؤونها الداخلية تحت أية مسميات واهية.


الدرس الثاني: الالتزام المبدئي بالقضايا العربية العادلة: 

ثمن الوفد العربي، بكافة أطياف اليسار التي تمثله، عاليا، الموقف الصيني التاريخي والراسخ تجاه القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، هذا الدور الدبلوماسي الصيني المتوازن يمثل أيضا، موقفا داعما للقضية الفلسطينية كما يعد صوتا قويا من داخل المنتظم الدولي، يقول كلمته دائما في كل اللحظات الحرجة، كما أن موقف الصين من القرار الأممي 2797 لصالح الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية الكاملة هو ترسيخ كذلك، لمبدأ الصين الثابث في سيادةالدول وحماية وحدتها الترابية.


الدرس الثالث: مفهوم "مجتمع المصير المشترك للبشرية": 

ناقش الجانبان مختلف الأبعاد الفلسفية والعملية لهذه الأطروحة الصينية، والتي تقدم بديلا إنسانيا لنظريات "صراع الحضارات" الغربية، فالصين اليوم لا تطرح نفسها كقوة استعمارية بديلة، لكنها تفضل أن تقدم نفسها كشريك يسعى لنشر الرخاء والسلام عبر التنمية المشتركة والعمل المشترك، ضمن قواعد جديدة لرؤية استراتيجية لها، تعيد من خلالها صياغة النظام الدولي على أسس أكثر عدالة وإنسانية، ويقصد بهذه الفلسفة الجديدة بناء عالم ترتبط فيه مصائر الدول وشعوبها شبكيا، بحيث لا يمكن لأي أمة تحقيق أمنها ورخائها بمعزل عن أمة أخرى أو على حسابها، وتقوم الفلسفة ذاتها على ركائز بديلة للهيمنة الأحادية ونظريات "صراع الحضارات"، أبرزها: الأمن الشامل عبر الدبلوماسية والحوار، التنمية المربحة للجميع (Win-Win) وفق منطق رابح رابح، عبر شراكات مهمة كمبادرة "الحزام والطريق" نموذجا، دون شروط سياسية مجحفة، كما لا تغفل التعددية الحضارية التي تحترم حق الشعوب في اختيار مساراتها السياسية والثقافية المستقلة، إلى جانب التعاون البيئي لحماية كوكب الأرض،هذا الطرح الذي يلتقي وبشدة، مع أدبيات اليسار العربي وقوى الجنوب لأنه ينادي بأنسنة العلاقات الدولية، ويناهض الإمبريالية، ويمنح الدول النامية مكانة الشريك الندي في صياغة مستقبل العالم.


الدرس الرابع: معجزة الإقلاع التنموي:

لقد أتيح للوفد اليساري العربي خلال جولته الميدانية، معاينة التفاصيل الحية للنموذج الصيني التنموي الخلاق، لأن ما حققته الصين من إقلاع كبير هو نتاج هندسة تنموية دقيقة قامت على ركائز صلبة تستدعي الدراسة والتحليل، استنادا لمرجعيات الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ووفق براديغم المرونة الأيديولوجية، إذ أثبتت الصين للعالم أن النظرية إذا كانت جامدة مستنسخة ستنتهي، لكن إذا تم التعامل معها على أساس أنها فكرة حية تتطور ستستمر، وهذا ما جعل الحزب الشيوعي الصيني ينجح في المزاوجة بين المبادئ الاشتراكية الأساسية المتمثلة في الملكية العامة للقطاعات الاستراتيجية، التخطيط المركزي، والعدالة الاجتماعية، وبين كل آليات السوق المنضبطة والابتكار. هذا التوطين للنظرية يمنح اليسار العربي درسا بليغا في أهمية صياغة نماذج تنموية تنبع من الخصوصيات الثقافية والوطنية لشعوبنا، بعيدا عن كل القوالب الجاهزة والمحنطة.

كما لا يمكن إغفال دور الملحمة الإنسانية الصينية في القضاء على الفقر المدقع، حيث وقف الوفد العربي على الآليات المبتكرة التي تمكنت من خلالها الصين من انتشال أكثر من 800 مليون مواطن من دير الفقر خلال العقود الأربعة الماضية، حيث لم يعتمد هذا الإنجاز على المعونات العينية، لكنه اعتمد أساسا على التنمية المستهدفة عبر تحديث الأرياف، ونقل الصناعات إلى العمق الصيني، وتأهيل القوى العاملة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهو ما يمثل أكبر إنجاز لحقوق الإنسان بمفهومها الشامل والواقعي.

وقف الوفد العربي كذلك، على السيادة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، من مصنع تقليدي منخفض التكلفة للعالم، حيث تحولت الصين إلى عاصمة عالمية للابتكار الفائق، متمثلة في كل القفزات التي حققتها في مجالات شبكات الجيل السادس، الحوسبة الكمية، الذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء، تبرهن على أن التعليم والبحث العلمي هما قاطرة الإقلاع الحقيقية. هذه السيادة التكنولوجية التي تبدو أنها قد نجحت في كسر الاحتكار الغربي، ومنحت دول الجنوب فرصة للحصول على التكنولوجيا دون شروط سياسية مجحفة، كما وقف الوفد العربي عند تجليات التنمية الخضراء والوئام مع الطبيعة كما يسمونه، حيث نجحت الصين في مواجهة التحديات المناخية، متبنية استراتيجية مهمة وملهمة وسمتها بالحضارة الإيكولوجية، حيث عاين الوفد العربي كيف تتحول مدن صناعية كبرى إلى مدن صديقة للبيئة عبر الاعتماد الضخم على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، مما يثبت أن النمو الاقتصادي الهائل لا يعني بالضرورة تدمير الكوكب.


الدرس الخامس: مبادرة "الحزام والطريق" كجسر للنهوض العربي.

شكلت المبادرة محورا أساسيا في نقاشات الوفد العربي مع ممثلي دائرة العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي الصيني، حيث ينظر إليها كإطار جيوسياسي واقتصادي يمكنه انتشال المنطقة العربية من أزماتها الهيكلية وليس فقط كطريق ربح وتجارة فحسب، إذ تمثل مبادرة "الحزام والطريق" الصينية جسرا استراتيجيا للانتقال بجزء كبير من المنطقة برمتها من اقتصاديات ريعية وتنافسية ضيقة، إلى فضاء إنتاجي وتنموي شامل. ولا ينظر اليسار العربي إلى هذه المبادرة بوصفها مجرد شبكة من الطرق والموانئ والممرات التجارية فحسب، لكن كإطار جيوسياسي بديل يتيح نقل التكنولوجيا الحديثة لبناء بنية تحتية جديدة تخدم مصالح الشعوب دون شروط سياسية مجحفة أو تبعية للمؤسسات المالية الغربية التقليدية، لأن ربط الممرات الحيوية في العالم العربي بهذا المسار الدولي سيمنح المنطقة لا محالة، فرصة تاريخية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وتحفيز القطاعات الصناعية والزراعية الذكية، مما قد يساهم بشكل مباشر في صياغة نهوض عربي يرتكز على العدالة الاجتماعية والمنفعة المتبادلة في إطار ما يصفونه بمجتمع المصير المشترك.


الدرس السادس: المتاحف لحفظ الذاكرة الجماعية:

وفق الوفد العربي، على أهمية المتاحف في جمعورية الصين الشعبية، للتعريف بالحضارة الصينية باعتبارها حارسا أمينا على الذاكرة الجماعية لواحدة من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ البشري، حيث يتم التعامل معها كأدوات استراتيجية لتعزيز الهوية الوطنية والتلاحم المجتمعي وليس فقط كمخازن آثار أو مخطوطات أو مقدرات تاريخية، كما تتجلى أهمية هذه المؤسسات، وعلى رأسها المتحف الوطني الصيني ومتحف القصر الإمبراطوري ببكين، في قدرتها الرهيبة على المزاوجة بين صون الهوية القديمة وتوثيق ملحمة التحرر الوطني الصيني والنهوض المعاصر ضد الاستعمار، وصولا إلى معجزة الإقلاع التنموي الحديث بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. ومن خلال توظيف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، تحولت هذه المتاحف النوعية إلى منصات تفاعلية حية تزرع في وجدان الأجيال المتعاقبة قيم الأصالة والوحدة الوطنية بين مختلف القوميات الصينية، وتبرهن لزوارها من الوفود السياسية والتقدمية، بل وحتى السياحية، أن حفظ التاريخ والاعتزاز بالجذور يشكلان معا، الوقود الفكري الحقيقي لبناء المستقبل وضمان السيادة الثقافية في عالم متحول تسوده الفردانية.


ختاما، إن الدرس الأكبر الذي يمكن أن يستخلصه الوفد اليساري العربي هو أن النهوض ممكن، وأن التاريخ لم ينته عند النموذج الرأسمالي الغربي وفقط، لهذا فإن هذه الزيارة تؤسس لعهد جديد من التنسيق الفكري والسياسي المشترك، وتفتح الباب أمام حوار مستدام بين النخب السياسية، لتعميق الفهم بالنموذج الصيني، وكيفية صياغة استراتيجيات عربية محلية تحقق التنمية المستقلة، وتضمن كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية لشعوب المنطقة التي أنهكتها الحروب، مستندين إلى حليف دولي موثوق يقف على أرضية الاحترام المتبادل والمصير المشترك.


إيمان الرازي، عضو الوفد العربي لكوادر أحزاب اليسار العربي، ممثلة عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.