ويتمثل أبرز مستجد في المشروع في إعادة ترتيب معايير إسناد الصفقات العمومية، حيث أصبح العرض المالي الأقل هو المعيار الأساسي للفوز بالصفقة في أغلب الحالات، بعد أن كان معيار "أفضل عرض من حيث الجودة والكلفة" يشكل المرجع الرئيسي في التقييم. ويهدف هذا التوجه إلى الحد من السلطة التقديرية للإدارة وتعزيز الشفافية والموضوعية في اختيار المتنافسين، بما يقلل من فرص الطعون والشبهات المرتبطة بعملية التقييم. غير أن هذا التحول يثير في المقابل نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة معيار السعر وحده على ضمان الجودة والكفاءة، خاصة أن العديد من التجارب الدولية أظهرت أن التخفيض المفرط للأسعار قد ينعكس سلباً على جودة الإنجاز، ويؤدي إلى ارتفاع الكلفة الحقيقية للمشاريع خلال مراحل التنفيذ أو الصيانة.
ومن منظور اقتصادي، لا ينبغي تقييم الصفقات العمومية على أساس كلفة الإنجاز الأولية فقط، بل وفق مفهوم الكلفة الإجمالية لدورة حياة المشروع، الذي يأخذ بعين الاعتبار نفقات التشغيل والصيانة والإصلاح والتجديد. فالمشروع الذي يتم إنجازه بأقل تكلفة قد يصبح أكثر كلفة على المدى المتوسط أو الطويل إذا كانت جودة التنفيذ ضعيفة أو إذا استدعت الأشغال تعديلات متكررة. ولهذا السبب، حافظ مشروع المرسوم على آلية استبعاد العروض المنخفضة أو المرتفعة بشكل غير اعتيادي مقارنة بالسعر المرجعي، غير أن اعتماد هامش موحد بنسبة 15% قد لا يكون كافياً لمراعاة خصوصيات مختلف القطاعات، مما يستدعي اعتماد معايير أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأشغال والخدمات ومستوى تعقيدها.
وعلى المستوى الاجتماعي، يتضمن المشروع مقتضيات جديدة تخص صفقات الحراسة والنظافة والصيانة، من خلال إلزام الإدارات بإدراج الحد الأدنى للأجور ومساهمات الضمان الاجتماعي ضمن الكلفة التقديرية للمشاريع، واعتماد هامش الربح بدلاً من نسبة التخفيض عند تقييم العروض. ويعكس هذا التوجه وعياً متزايداً بأهمية توظيف الطلب العمومي كآلية لحماية الحقوق الاجتماعية ومحاربة الممارسات التي تقوم على المنافسة غير المشروعة عبر تقليص أجور العمال أو الإخلال بالالتزامات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن قصر هذه المقتضيات على عدد محدود من القطاعات يطرح تساؤلات حول إمكانية توسيعها لتشمل أنشطة أخرى تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز المسؤولية الاجتماعية للمقاولات المتعاقدة مع الدولة.
ومن بين المستجدات اللافتة أيضاً اعتماد مبدأ الأفضلية الترابية، حيث يمنح المشروع أولوية للمقاولات المحلية عند تساوي العروض، وفق ترتيب يبدأ بالجماعة الترابية ثم الإقليم أو العمالة فالجهة. ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في جعل الطلب العمومي أداة لدعم التنمية المجالية وتقوية النسيج الاقتصادي المحلي، انسجاماً مع ورش الجهوية المتقدمة. فمن شأن هذه الآلية أن تعزز فرص المقاولات الصغرى والمتوسطة في الولوج إلى الصفقات العمومية، وأن تسهم في خلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار داخل الجهات. غير أن نجاح هذا الإجراء يظل رهيناً بوضع إطار قانوني واضح يحدد مفهوم "المقاولة المحلية" ويضمن احترام مبادئ المنافسة الحرة والمساواة بين المتنافسين.
كما يتجه المشروع إلى رفع العتبات المالية الخاصة بالمساطر المبسطة، سواء بالنسبة لسندات الطلب أو لطلبات العروض المبسطة، بما يسهل مشاركة المقاولات الصغرى والمتوسطة والتعاونيات والمقاولين الذاتيين في الصفقات العمومية. ومن شأن هذا التوجه أن يخفف من الأعباء الإدارية ويختصر آجال إبرام العقود، مما يعزز دينامية الاستثمار العمومي ويرفع من كفاءة تنفيذ المشاريع. غير أن توسيع نطاق المساطر المبسطة يستوجب في المقابل تعزيز الرقمنة وآليات المراقبة والتتبع، حتى لا تتحول المرونة الإجرائية إلى مدخل لتراجع مستويات الشفافية أو للتحايل على قواعد المنافسة.
وفي المحصلة، يعكس مشروع تعديل مرسوم الصفقات العمومية توجهاً جديداً يروم الانتقال من مجرد تدبير عمليات الشراء العمومي إلى توظيف الطلب العمومي كأداة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وتنموية متكاملة. فهو يسعى إلى تحقيق التوازن بين ترشيد النفقات العمومية، وتعزيز الحكامة والشفافية، ودعم المقاولة الوطنية، وتقوية التنمية الترابية، وصون الحقوق الاجتماعية. غير أن نجاح هذا الورش الإصلاحي لن يقاس فقط بجودة النصوص القانونية، بل بمدى حسن تنزيلها على أرض الواقع، وبقدرة مختلف الفاعلين على ترسيخ ثقافة تقوم على الكفاءة والشفافية وربط الإنفاق العمومي بتحقيق قيمة مضافة مستدامة تخدم الاقتصاد الوطني والمصلحة العامة.






