فن وإعلام

عقلية القطيع.. أية علاقة بين الفن والتربية؟

المصطفى تكاني (كاتب وإطار تربوي)

من الصعب عليَّ أن أتعرف على بعض " الفنانين " الذين شاركوا في حفلات " موازين " ؟؛

ومن الصعب عليَّ أن أحدد اسم " فنان " بعينه من بين هؤلاء " الفنانين " لكثرتهم ؟

ومن الصعب جدا أن أشير بسبابتي إلى هذا " الفنان " أو إلى علان من "الفنانين " ؟

ومن الصعب؛ وهو الأدهى ؛ أن نعرف نحن الآباء ومن يسيرون في فلك حياتنا ؛ دلالات وطلاسم كلمات أغاني هؤلاء " الفنانين " ؛ إلا من يسر الله علينا وعليه ، وفتح علينا أعيننا وأعينه ؛ وهم إلا قلة نادرة قادرة لفهم ذلك بما صدح به بعض الفنانين الذين أطربوا لردح من الزمن الجميل . 

في خطاب الفصل والوصل لدى البلغاء في موضوع ارتباط عقلية القطيع في علاقته بين الفن والتربية، نجتزئ من الخطبة البتراء لزياد بن أبيه حين ولاه معاوية بن أبي سفيان على البصرة ؛ حيث قال دون البدء لا بالحمد ولا بالثناء :

" أما بعد؛ فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغَـيَّ المُـوفي بأهله على النار ما فيه سُـفـهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى عنها الكبير ... "

إن من يصعد من " الفنانين " إلى منصة الغناء يجب أن يكون فعلا صاعدا لا " ساقطا " ، وينبغي أن يكون قدوة لمن بعده ، ورائدا من رواد هذا الفن أو ذاك ؛ ليقتفي بعده الناشئة خطوات الأثر الواضح المفيد ، والضرب على المثل لمن يليه . أما أن يصعد إلى المنصة بعد " صعود عقله " غير مستوٍ، ليقول قولا يصعب تحديد مفهومه " فنا " . لأن مفهوم الفن ودلالته تعني أنه أمر يقوم به هذا الفنان سواء أكان موسيقى أو غناء ، أو رسما ونحتا ، أو شعرا ونثرا ، أن هذا الفنَّ فنٌّ فعلا ، لأنه بالصدق ( " بالصح " اللفظ العامي الدارج عندنا ) تعبير عن أفكارنا ومشاعرنا ووجداننا ، تعبير عن أحاسيسنا ورغباتنا ؛ وبالتالي يكتسب هذا الفن أو ذاك خصوصيته بالوسيلة التي نُــعَــِّــبر بها عن العالم المحيط بنا ؛ سواء أكـــان هذا الفن ؛ كما أسلفت ؛ غناء أو نحتا أو رسما أو كتابة ... عَـبْـــر تواصل حـمـيـمي جدا مع المتلقي [ كما أورده " وليام جوزيف نايتر ميسوري " ( عازف بيانو وموسيقي أمريكي ولد في 1980 في فينيكس في الولايات المتحدة الأمريكية ) في إحدى التعاريف ] .

  أخْــوَفُ ما أخاف أن يكون هذا النمط من " الفن " وسيلة وغاية في الآن ذاته لــ " تحليق " [ بالحاء لا بحرف الخاء ] إلى عوالم خارجة عن عالمنا ، ولا نستطيع بعده للرجوع إلى الأرض ، إلى الوطن ، إلى بلدنا الحبيب . إن الفن من دعائم تقدم الأمم وركائز المجتمع الإنساني ، وهو الصورة الصادقة والتعبير الدقيق لحضارة الإنسان وتطوره عبر العصور والأماكن . وقد سبق العديد من الفلاسفة والمفكرين والأدباء لتحديد العلاقة التحكمية ؛ لا الاعتباطية ؛ بين الفن والتربية ؛ فهي علاقة وثيقة بينهما ، ويعتبر الفن أداة قوية في العملية التربوية ، ويسهم بكيفية مباشرة أو غير مباشرة في تنمية جوانب متعددة من شخصية المتعلم / المتلقي ؛ بدءا من الجانب المعرفي والمهاري ، وصولا إلى الجوانب النفسية والوجدانية والاجتماعية .

والفن ؛ كما ورد عند" أندريه لا لاند " ( ANDRE LALANDE) [ ولد في ديجون بفرنسا في 19 يوليوز 1867 – 15 نونبر 1963 ] في موسوعته [ معجم لا لاند ] ؛ هو إنتـــاج للجميل ؛ وهو عند مجموعة من فلاسفة الفن : " القــدرة على توليد الجمال " ؛ فأي فــن نجده في حفلات " موازين " ؟ ، وأية " تربية " تؤديها لتنمية الوعي المعرفي والفني ؟ ، وما الأهداف والتوجهات التي تسعى إلى تنمية وتعويد المتعلم / المتلقي على التفكير السليم ، والقدرة على خلق روح الإبداع والابتكار لديه ؟؟؟

سؤال ينبغي أن يحدده من سعى إلى تنظيمه لجذب قطيع من " الفنانين " ، فأي بُـعْـدٍ جمالي تنتظمه موسيقاه للارتقاء بالذوق ؟، وأي بعد قيمي وأخلاقي " لإرهاف لحس " ؟ ؛ لا شيء البتة . وقد صدق من كان وهو يردد البعض ممن تابع هذه الحفلات قائلا : " فين غادي بيا خويا فين غادي بيا ؟؟؟ !!! "    

فالتربية عامة رافد من روافد وجودنا الاجتماعي والثقافي والحضاري ؛ وهي دعامة أساس ضمن دعامات المقاومة الثقافية ضد غزو واستلاب ثقافات لا تمت بصلة للثقافة العربية ، وتبقى تلك " الخرجات " لحفلات " موازين " جزءا من الهوية المتفردة كي لا تصير انتماء جماعيا لهذا البلد الأمين .

هذا أثر انطباعي بعد ما قيل حول حفلات " موازين " فجر هذا اليوم .