في كل صيف، يتكرر مشهد يستحق أن تتوقف عنده الدولة والجماعات الترابية طويلاً. سيارات فاخرة تحمل لوحات أوروبية أو أمريكية تتوقف أمام بيوت متواضعة في دواوير المغرب العميق. قد يعتقد البعض أنها مجرد زيارات عائلية، لكنها في الحقيقة تحمل رسالة اقتصادية وتنموية عميقة: أبناء هذه الدواوير نجحوا في الخارج، لكن قلوبهم ما زالت معلقة بقراهم.
وأنا في طريقي من الخميسات إلى جماعة آيت إيكو، حيث أقيم منذ سنوات، استوقفني هذا التناقض الصارخ. منطقة تزخر بالمؤهلات الطبيعية والبشرية، لكنها ما تزال تعاني طرقاً مهترئة، وخدمات أساسية غير مكتملة، واستثمارات شبه منعدمة. ومع ذلك، يعود إليها كل صيف رجال أعمال، وأطباء، ومهندسون، ومسؤولون كبار في أوروبا وأمريكا وكندا والخليج، يحملون معهم الحنين… ورأس المال.
أحد هؤلاء ، جاري هناك، يشغل منصباً رفيعاً في إدارة أمريكية. قال لي: “اشترينا أكثر من ثلاثين هكتاراً هنا لأنني كنت أريد أن أرد الجميل لعائلتي التي باعت أرضها حتى أتابع دراستي وأهاجر. كنت أحلم بإطلاق مشروع يخلق فرص الشغل، لكنني اصطدمت بواقع لا يشجع على الاستثمار.”
لم يكن يتحدث عن الضرائب أو التمويل أو العقار، بل عن أبسط شروط التنمية: طريق صالحة، خدمات أساسية، وإدارة محلية تتفاعل مع المستثمر بدل أن تثبط عزيمته.
هذه ليست قصة فردية، بل نموذج يتكرر في عشرات الجماعات القروية. فالجالية المغربية لا ترسل فقط مليارات الدراهم سنوياً في شكل تحويلات، بل تمتلك أيضاً خبرات دولية، وشبكات علاقات، وقدرات استثمارية هائلة. غير أن جزءاً كبيراً من هذه الإمكانات يضيع لأن الجماعات القروية لا تقدم الحد الأدنى من البيئة الجاذبة للاستثمار.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن استقطاب المستثمر الأجنبي، بينما نهمل مستثمراً أكثر ارتباطاً بالمكان، وأكثر استعداداً لتحمل المخاطر، وأكثر رغبة في النجاح: ابن الدوار نفسه.
المؤلم أن كثيراً من أبناء الجيل الأول من المهاجرين ما زالوا يحتفظون بعلاقة وجدانية قوية مع مسقط الرأس. لكن ماذا عن أبنائهم وأحفادهم؟ هؤلاء ولدوا في الخارج، وتربوا هناك، ولن يربطهم بالقرية سوى ما يروه خلال زياراتهم الصيفية. فإذا وجدوا التهميش والعزلة وغياب الخدمات، فمن الطبيعي أن تنقطع هذه العلاقة تدريجياً، وأن تتحول زياراتهم إلى المدن الكبرى والوجهات السياحية الكبيرة فقط.
إن المغرب لا يخسر هنا زيارة عائلية، بل يخسر مستثمراً محتملاً، وشريكاً في التنمية، وسفيراً اقتصادياً لوطنه.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تستدعي سياسة وطنية جديدة تجاه العالم القروي، لا تقوم فقط على تعبيد الطرق أو توسيع الشبكات، بل على جعل كل جماعة قروية تمتلك عرضاً استثمارياً واضحاً موجهاً لأبنائها في المهجر. فكل جماعة ينبغي أن تعرف ماذا تريد أن تستثمر، وما هي الأراضي المتاحة، وما هي الحوافز، وما هي المشاريع ذات الأولوية، ومن هو المسؤول عن مواكبة المستثمر منذ أول اتصال إلى غاية انطلاق المشروع.
كما أن تقييم رؤساء الجماعات والسلطات المحلية لم يعد ينبغي أن يقتصر على حجم النفقات أو عدد المشاريع المنجزة، بل يجب أن يشمل قدرتهم على جذب الاستثمار، والمحافظة على ارتباط أبناء المنطقة بوطنهم الأصلي، وخلق الثقة في المؤسسات.
إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر ابن الدوار، أينما كان في العالم، أن قريته تنتظره شريكاً في المستقبل، لا مجرد زائر في فصل الصيف.
فالتحويلات المالية مهمة، لكن الاستثمار أهم. والحنين جميل، لكنه لا يكفي. أما الحكامة الجيدة، فهي وحدها القادرة على تحويل حب الوطن إلى مصانع، ومزارع عصرية، ومقاولات، وفرص شغل، وتنمية مستدامة تعيد الحياة إلى البادية المغربية.
أعتقد أن هذه القضية تستحق أن تتحول إلى نقاش وطني، لأن المغرب قد يكون اليوم أمام أكبر فرصة تنموية غير مستغلة: تعبئة رأس المال المالي والبشري لمغاربة العالم لتنمية دواويرهم وجماعاتهم الأصلية. ولو نجحنا في ذلك، فإن أثره قد يفوق أثر عدد من برامج الدعم العمومي، لأنه يقوم على استثمار طويل الأمد نابع من الانتماء والثقة، لا من المنح أو الإعانات.






