سياسة واقتصاد

من أراد أن يكون رئيساً للحكومة فليتفضل إلى ساحة السياسة من بابها الواسع: حزب وبرنامج وانتخابات ثم صناديق اقتراع تقول كلمتها الأخيرة

إبراهيم حيمي

يبدو أن البعض قد حسم نتائج الانتخابات المقبلة قبل أن تبدأ، بل وحسم اسم رئيس الحكومة قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع. فما عاد ينقصنا سوى تحديد لون الستائر في مكتبه وترتيب مراسم التنصيب! 

فوزي لقجع، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول حصيلته، ليس نبياً سياسياً ولا "سوبرمان" المرحلة الذي سيحل بمجرد وصوله إلى رئاسة الحكومة كل أزمات المغرب دفعة واحدة. فالذين جعلوا منه رئيساً للحكومة في صفحات التواصل الاجتماعي والإعلام، يذكروننا بزمن صناعة الأصنام السياسية، حيث يتحول الأشخاص إلى مشاريع خلاص جماعي، وكأن الأوطان تُبنى بالأسماء لا بالمؤسسات.

 إن النجاح في تدبير ملف رياضي، مهما بلغت أهميته، لا يمنح صكاً على بياض لتدبير شؤون دولة تواجه تحديات التعليم والصحة والبطالة والقدرة الشرائية والمديونية. فالمغرب ليس فريقاً لكرة القدم، ورئاسة الحكومة ليست لقباً يُمنح بعد الفوز بكأس أو بلوغ نصف نهائي مونديال. المثير للسخرية أن الذين كانوا بالأمس القريب يتحدثون عن الأحزاب ومشاريعها وبرامجها الديمقراطية، أصبحوا اليوم يبحثون عن "الرجل المعجزة" الذي يكفي أن يلوح بيده حتى تُحل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية. وكأننا انتقلنا من الديمقراطية التمثيلية إلى "ديمقراطية الرجل الواحد". 

إن المغاربة لا يحتاجون إلى بطل جديد، بل إلى برامج واضحة، ومؤسسات قوية،وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة. ومن أراد أن يكون رئيساً للحكومة، فليتفضل إلى ساحة السياسة من بابها الواسع: حزب، وبرنامج، وانتخابات، ثم صناديق اقتراع تقول كلمتها الأخيرة. أما أن تتحول بعض المنابر إلى مكاتب استباقية لتوزيع المناصب، فذلك لا يخدم الرجل نفسه بقدر ما يسيء إلى الفكرة الديمقراطية.

 فالناخب ليس مجرد متفرج في مدرجات ملعب يُطلب منه التصفيق، بل هو صاحب القرار الذي يمنح الثقة أو يحجبها. لقد علّمنا التاريخ السياسي أن الأوطان لا تُبنى بالأشخاص مهما كانت كفاءتهم، بل تُبنى بالمؤسسات. وأن أخطر ما يمكن أن يقع فيه مجتمع ما، هو أن يستبدل الإيمان بالديمقراطية بالإيمان بالأفراد. 

لذلك، دعوا الانتخابات تقول كلمتها أولاً، ودعوا البرامج تتنافس، واتركوا للمغاربة حق اختيار من يحكمهم. أما صناعة "رجل المرحلة" قبل المرحلة نفسها، فليست سوى محاولة لوضع العربة أمام الحصان، أو بلغة كرة القدم: إعلان الفوز بالمباراة قبل أن يطلق الحكم صافرة البداية.