تداولت عدد من المواقع القريبة من النظام الجزائري سعي هذا الأخير إلى تطويق المغرب من جهة الشمال عبر المقترح الذي قدمه لحكومة سانشيز الإسبانية والمتمثل في بناء قاعدة عسكرية مشتركة بين الجيش الجزائري والجيش الإسباني في مدينة مليلية، مقابل أن تتعهد الجزائر بالدفاع عن الثغرين في حال قرر المغرب استرجاعهما، أو في حال نشوب حرب لن يتدخل فيها حلف الناتو لأنه لا يعتبرهما مدينتين أوروبيتين ولا يدرجهما ضمن مجال نفوذ دفاعاته.
سعار النظام الجزائري جعله كحاطب ليل لا يميز بين الصالح والطالح فيما يريد توظيفه ضد المغرب. فبعد أن فشلت مؤامراته لتطويق المغرب وعزله عن عمقه الإفريقي، ويئست خططه لإرغام فرنسا وإسبانيا على مراجعة موقفهما الداعم للسيادة المغربية على الصحراء، حاول توظيف رواية “عملية الراية المزيفة: من الكرملين إلى تندوف ” (Operación Falsa Bandera: Del Kremlin a Tinduf) في وضع سيناريو يسمح له بإشعال حرب إقليمية يحقق بها ما عجز عن تحقيقه برشاوى الغاز والبترول.
وتستند الرواية التي أصدرها، سنة 2023، الدبلوماسي الإسباني والمدير الأسبق للمركز الوطني للاستخبارات الإسبانية خورخي ديزكايار، إلى مفهوم معروف في الدراسات الأمنية والاستخباراتية هو “عملية الراية المزيفة”، أي تنفيذ عملية سرية مع الحرص على إلصاقها بطرف آخر من أجل دفعه إلى رد فعل يخدم مصالح الجهة الحقيقية التي تقف وراءها. وانطلاقا من هذا المفهوم، يبني المؤلف فرضية مفادها أن الحرب في أوكرانيا قد تدفع روسيا إلى البحث عن ساحات توتر جديدة على الخاصرة الجنوبية لأوروبا، بما يساهم في تشتيت اهتمام القوى الغربية واستنزاف قدراتها. ولعل اهتمام النظام الجزائري بهذه الرواية التي أعاد طبعها وتوزيعها يبين سعيه الخبيث إلى توريط روسيا في الحرب التي يخطط لشنها ضد المغرب.
غير أن هذا التصور يظل، في نهاية المطاف، جزءا من البناء الروائي للمؤلف، ولا يعكس بالضرورة توجهات السياسة الخارجية الروسية. فالوقائع التي ميزت العلاقات المغربية الروسية خلال عامي 2025 و2026 تشير إلى مسار مختلف تماما، يقوم على توسيع الشراكة الثنائية وتعزيز المصالح المشتركة. فقد تجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين ملياري دولار، وواصل الطرفان تنفيذ الاتفاقيات التي أرستها الزيارة الرسمية التي قام بها جلالة الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2016 بدعوة من الرئيس فلاديمير بوتين، كما اتجه التعاون إلى مجالات جديدة تشمل الاستثمار والزراعة والصيد البحري والطاقة والأسمدة، فضلا عن استمرار الحوار السياسي بين البلدين في إطار من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وتنظر موسكو إلى المغرب باعتباره أحد أهم شركائها في إفريقيا، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، وإنما أيضا بالنظر إلى استقراره السياسي، وتطوره الاقتصادي، وانفتاحه على الأسواق الإفريقية. لذلك تعمل روسيا على تشجيع شركاتها على الاستثمار في السوق المغربية، التي أصبحت تمثل بوابة نحو القارة الإفريقية. كما أن التصريحات الأخيرة للسفير الروسي بالرباط، فلاديمير بابياكوف، بشأن القرار الأممي رقم 2797، عكست تمسك موسكو بدعم مسار التسوية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو ما ينسجم مع نهجها التقليدي في التعاطي مع هذا الملف.
انطلاقا من هذه المعطيات، يبرز سؤال مشروع: لماذا أولت الجزائر اهتماما لافتا لهذه الرواية، إلى درجة إعادة طبعها والعمل على الترويج لها داخل إسبانيا وخارجها؟.
يصعب تفسير هذا الاهتمام بالبعد الأدبي وحده، لأن الرواية لا تقدم كشفا تاريخيا جديدا ولا تستند إلى وثائق رسمية غير معروفة، وإنما تطرح فرضية سياسية قابلة للنقاش. ومن ثم، يبدو أن القيمة التي اكتسبتها لدى النظام الجزائري ترتبط بما توفره من إمكانية لإدراج نزاع الصحراء ضمن سياق الصراع الروسي الغربي، بما يسمح بإعادة تقديم القضية باعتبارها جزءا من معادلات الأمن الأوروبي والدولي، وليس مجرد نزاع إقليمي حول السيادة.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن السياق الإقليمي الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات لم تكن في صالح الأطروحة الجزائرية. فقد اتسعت دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع، كما كرّس قرار مجلس الأمن رقم 2797 استمرار اعتماد المبادرة المغربية إطارا للتفاوض تحت إشراف الأمم المتحدة، في الوقت الذي حافظت فيه الولايات المتحدة على اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وأمام هذه التطورات، أصبح النظام الجزائري يواجه بيئة دبلوماسية أكثر تعقيدا مما كان عليه الوضع قبل سنوات.
وفي هذا السياق، يكتسب البعد العسكري أهميته. فالجزائر رفعت إنفاقها العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ، وفق تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حول اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي لسنة 2025، حوالي 25.4 مليار دولار، بعدما لم يكن يتجاوز 9.1 مليارات دولار سنة 2022، وهو ما جعلها صاحبة أكبر ميزانية دفاعية في إفريقيا، ومن بين أعلى الميزانيات العسكرية في العالم بالنسبة إلى دولة لا تخوض حربا خارجية ولا تواجه تهديدا عسكريا مباشرا. ولم يقتصر الأمر على ارتفاع الإنفاق العسكري، بل ترافق مع تنظيم مناورات متكررة بالقرب من الحدود الغربية، وتطوير منشآت وقواعد عسكرية جديدة، وانتشار منظومات تسليحية متقدمة، وفق ما أظهرته صور الأقمار الصناعية، فضلا عن تصاعد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي تجاه المغرب.
إنها مؤشرات موضوعية تدفع الباحثين إلى التساؤل حول الرسائل الاستراتيجية التي يراد توجيهها من خلال هذا الحشد والإنفاق العسكريين. ففي العلاقات الدولية لا تقاس النيات بالتصريحات وحدها، وإنما أيضا بالقدرات التي يتم بناؤها، وبالتموضعات العسكرية، وبالإشارات التي ترسلها الدول إلى خصومها وحلفائها في آن واحد.
من هنا تكتسب رواية ديزكايار أهميتها السياسية؛ فهي لا تكمن فيما تقوله عن روسيا بقدر ما تكمن فيما تتيحه من إمكانية لتغذية سردية مفادها أن أي مواجهة مستقبلية في المنطقة قد تتحول إلى امتداد للصراع بين الشرق والغرب. ولا يمكن فهم سلوك النظام الجزائري بمعزل عن الخلفية التاريخية للعلاقات المغربية الجزائرية. فمنذ حرب الرمال سنة 1963 تشكلت بين البلدين حالة مستمرة من انعدام الثقة، وتحول المغرب في العقيدة الأمنية الجزائرية إلى “العدو الكلاسيكي “. وقد انعكس ذلك على أولويات السياسة الخارجية، وعلى بنية الإنفاق العسكري، وعلى طريقة التعاطي مع قضية الصحراء المغربية، التي أصبحت مع مرور الزمن محور التنافس الاستراتيجي بين البلدين.
إستراتيجية الردع.
من هذا المنطلق، ينظر المغرب إلى الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو باعتباره جزءا من استراتيجية تهدف إلى الحد من النفوذ الإقليمي للمملكة وإبقاء النزاع مفتوحا. لهذا يعتمد المغرب، في إطار إستراتيجية الردع بهدف منع العدو من القيام بعمل عدائي وذلك من خلال إقناعه بأن تكلفة الهجوم أو المغامرة تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، على تطوير وتحديث ترسانته العسكرية مع تنويع الشراكات، ونقل التكنولوجيا، والتحول نحو الأنظمة الذكية والجوية المتقدمة، والسعي للحد من الاعتماد على الخارج من خلال بناء صناعة دفاعية وطنية، تشمل إنشاء مراكز عالمية لصيانة وتصنيع أجزاء الطائرات الحربية والطائرات المسيرة والمدرعات والذخيرة.
فقد نشر الإعلام التركي، صورا لفرع مصنع “أكانجي” و “بيرقدار بالدار البيضاء. كما نشرت جريدة “التيليغراف” البريطانية خبرا يفيد أن المغرب تمكن من إنتاج طائرات انتحارية من طراز SPY-X الإسرائيلية بمعدل 3000 طائرة شهريا غير موجهة للتصدير، وأنه يستهدف الحصول على مخزون إستراتيجي من المُسيِّرات يتجاوز العشرة ملايين طائرة انتحارية، بمدى 1000 إلى 5000 كلم. إنها رسالة واضحة للنظام الجزائري تجعله يفكر مليون مرة قبل أي مغامرة متهورة.






