مجتمع وحوداث

بين الادعاء والبرهان: ملاحظات على مرافعة تُحمِّل المحامين مسؤولية تعطيل العدالة

مصطفى المنوزي (محامي بهيئة الدارالبيضاء)

حاول الصف الإعلامي الداعم لموقف وزير العدل ومن معه تسخير كافة الوسائل لشيطنة موقف جمعية هيئات المحامين بالمغرب ، وتكريس إرهاب فكري يتجاوز حدود النقد السياسي والإعلامي المقبول أخلاقيا ، وكأننا بمدع عام ( إشتراكي ) على الطريقة الناصرية والبعثية يدين كل من يدافع عن حقوقه الدستورية ، واعتبارها خروجا عن الإجماع أو الجماعة لا فرق ، و

تبدو مرافعات بعضهم ، وهم قلة نحترم تاريخهم النضالي دون جغرافيتهم الإعلامية الإنفعالية ، فهي أقرب إلى لائحة اتهام منها إلى دراسة قانونية متوازنة؛ فهي تنتهي إلى إدانة المحامين قبل أن تقدم الدليل على عناصر هذه الإدانة. ذلك أن أول ما يلفت الانتباه هو غياب أي سند واقعي أو إحصائي يثبت الادعاء المركزي الذي بني عليه النص، والمتمثل في أن المتقاضين تعرضوا لأضرار جسيمة أو ممنهجة بسبب الاحتجاجات.

فإذا كان الأمر يتعلق بانتهاك واسع للحق في التقاضي، فأين الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟ وأين تقارير مؤسسة الوسيط أو المجلس الوطني لحقوق الإنسان التي تثبت وجود تظلمات جماعية بهذا الحجم؟ وأين الاجتهادات القضائية التي رتبت مسؤولية هيئات المحامين عن هذه الأضرار؟ إن بناء اتهام بهذه الخطورة على مجرد الانطباع أو الافتراض لا ينسجم مع أبسط قواعد المنهج القانوني، الذي يجعل من الإثبات أساسًا لكل ادعاء.

ثم إن المرافعة تغفل مسؤولية الفاعل الحقيقي في إنتاج الأزمة، وهو المشرع نفسه. فمنذ سنوات، تتجه السياسة التشريعية إلى تضييق الولوج إلى القضاء عبر تعقيد المساطر، وتشديد الشروط الشكلية، وتقليص بعض طرق الطعن، مع توسيع حالات إلزامية الاستعانة بمحام في عدد من القضايا. فإذا وجد المتقاضي نفسه رهينًا لتعطل المساطر، فإن هذا الارتهان لم تصنعه هيئات المحامين وحدها، وإنما ساهمت فيه اختيارات تشريعية جعلت ولوج المواطن إلى القضاء أكثر تعقيدًا وأكثر ارتباطًا بالوساطة المهنية.

وتبرز هنا مفارقة يصعب تجاهلها. فمن جهة، يُروج لخطاب يعتبر أن المحامي لم يعد عنصرًا ضروريًا في عدد من المساطر، ويتم التوسع في المساطر الشفوية وتقليص مجالات إلزامية الدفاع بدعوى تبسيط العدالة. ومن جهة أخرى، يُقال إن احتجاج المحامين أدى إلى شلل العدالة لأن وجودهم لا غنى عنه. لا يمكن الجمع بين الخطابين في آن واحد؛ فإما أن المحامي ركن أساسي في تحقيق المحاكمة العادلة، وعندئذ يجب احترام استقلاله والإنصات إلى اعتراضاته المهنية، وإما أن دوره ثانوي كما توحي بعض الاختيارات التشريعية، فلا يستقيم الادعاء بأن احتجاجه وحده كفيل بتعطيل منظومة العدالة بأكملها.

كما أن الاستناد إلى المواثيق الدولية جاء انتقائيًا؛ فالإعلان العالمي والعهد الدولي ومبادئ هافانا لا تحمي حق المتقاضي في المحاكمة العادلة فحسب، بل تؤكد أيضًا استقلال مهنة المحاماة، وضرورة أن يمارس المحامون مهامهم دون ضغوط أو تدخلات، باعتبارهم أحد الضمانات الجوهرية لتحقيق العدالة. ومن ثم، لا يجوز استدعاء هذه النصوص لإدانة المحامين مع إغفال ما تقرره من ضمانات لفائدة المهنة نفسها.

أما القول بأن المسطرة التشريعية اكتملت وأن البرلمان عبر عن الإرادة الشعبية، فلا يجعل القانون بمنأى عن الرقابة الدستورية. فالدستور المغربي لم ينشئ المحكمة الدستورية لتزكية كل ما يصدر عن البرلمان، وإنما لمراقبة مدى احترام القوانين للدستور. ولذلك فإن الطعن في دستورية النصوص أو التعبير عن رفضها في إطار الوسائل السلمية لا يشكل اعتداءً على المؤسسات، بل هو جزء من الدينامية الدستورية التي تقوم عليها دولة القانون.

ويزداد الاستدلال ضعفًا عندما يتم استحضار القانون المقارن بصورة انتقائية، دون بيان الفوارق الجوهرية بين الأنظمة القانونية، سواء من حيث تنظيم مهنة المحاماة أو قواعد الاحتجاج أو الضمانات المقررة لاستمرارية المرفق القضائي. فالمقارنة القانونية لا تكون باقتطاع الأحكام التي تؤيد رأيًا معينًا، وإنما بدراسة السياقات والمؤسسات والاختلافات التي أنتجتها.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تسبب احتجاج المحامين في ارتباك سير بعض الجلسات؟ فهذا أمر قد يقع مع أي حركة احتجاجية. وإنما السؤال الأعمق هو: كيف وصلت منظومة العدالة إلى وضع أصبح فيه موقف فئة مهنية واحدة قادرًا على التأثير في سيرها؟ إن الجواب لا يكمن في اتهام المحامين وحدهم، وإنما في مساءلة الاختيارات التشريعية والسياسات العمومية التي جعلت حق التقاضي أكثر هشاشة، وجعلت العدالة تعتمد على توازنات لم ينجح المشرع في تأمينها.

ولهذا، فإن تحميل المحامين وحدهم مسؤولية ما يجري لا يقدم تفسيرًا قانونيًا للأزمة، وإنما يحجب أسبابها الحقيقية. فالعدالة لا تُحمى بتوجيه الاتهامات إلى أحد مكوناتها، بل بإصلاح المنظومة برمتها، واحترام استقلال الدفاع، وضمان حق المواطنين في التقاضي، وإنتاج تشريعات تقوم على الحوار والتوافق، لا على فرض الأمر الواقع .

ومن المفارقات التي أغفلتها تلك المرافعة أيضًا، بروز ممارسات تثير نقاشًا مهنيًا وأخلاقيًا لا يقل أهمية. فقد لوحظ أن بعض المكاتب التي تنوب عن الدولة أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية، بل وحتى عن بعض الشركات الكبرى، واصلت إيداع مذكراتها ووثائقها بكتابات الضبط خلال فترة الاحتجاج، بما يوحي بوجود استثناءات عملية من آثار الإضراب.

ومع ذلك، وفي احترام واضح للتعدد داخل المهنة وحرية الرأي، لم يُسجل أن مجالس الهيئات بادرت إلى ملاحقة هذه المكاتب تأديبيًا أو إلى فرض عقوبات عليها بدعوى خرق قرار الاحتجاج. وهذه الواقعة، إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن الأمر لم يكن "إغلاقًا قسريًا" للمهنة كما يصوره البعض، وإنما ممارسة احتجاجية لم تتحول إلى نظام قهري داخل الجسم المهني.

وفي المقابل، يبرز تساؤل مشروع: لماذا يُطلب من المحامين، كلما احتجوا على تشريع يمس شروط ممارستهم ورسالتهم الدستورية، أن يواصلوا أداء مهامهم وكأن شيئًا لم يكن؟ أليس في ذلك اقتراب من منطق "السخرة المهنية"، الذي يفرض أداء العمل رغم وجود نزاع مهني قائم؟

إن هذا المنطق ليس جديدًا؛ فقد عرفته بعض التشريعات المقارنة من خلال آليات "التسخير" التي تلجأ إليها السلطات العامة في حالات استثنائية تتعلق بحماية النظام العام أو استمرارية بعض المرافق الحيوية كالصحة أو النقل أو النظافة. غير أن نقل هذا المنطق إلى مهنة المحاماة يثير إشكالًا دستوريًا عميقًا، لأن المحامي ليس موظفًا عموميًا، ولا تابعًا للإدارة، وإنما يمارس مهنة مستقلة، جعل الدستور استقلالها إحدى ضمانات الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن استدعاء منطق التسخير أو الإلزام المقنع كلما مارس المحامون حقهم في الاحتجاج، من شأنه أن يفرغ استقلال المهنة من مضمونه، ويحول رسالة الدفاع إلى مجرد وظيفة تؤدى بأمر السلطة، وهو ما يتعارض مع فلسفة المحاماة في الدولة الدستورية.