تحليل

من الهامش إلى التتويج الكروي.. لماذا ينجح أبناء إفريقيا؟

عبد الإلاه القصير

قراءة سوسيولوجية في سر نجاح أبناء الشتات الإفريقي داخل المنظومة الحاضنة

في كل مرة يهتف فيها الملايين باسم كيليان مبابي، أو أشرف حكيمي، أو لامين يامال، أو نيكو ويليامز، او دمبيلي يتجه النظر تلقائيًا إلى الهدف الجميل، أو المهارة الاستثنائية، أو الكأس المرفوعة. لكن قليلين فقط يتساءلون: أين بدأت هذه القصة؟ هل بدأت في الملعب؟ أم في بيت متواضع، حمل فيه أب وأم حلمًا أكبر من إمكاناتهما؟ وهل تصنع الأقدام الأبطال، أم تصنعهم المجتمعات قبل أن تطأ أقدامهم الملاعب؟

قد تبدو الإجابة الأولى بديهية؛ فالموهبة والعمل الجاد يبدوان كعاملين اساسين لتفسير نجاح هؤلاء اللاعبين. غير أن مقاربة علم الاجتماع تعلمنا أن الظواهر الإنسانية لا تُفسَّر من خلال الأفراد وحدهم، بل من خلال البنيات الاجتماعية التي تحتضنهم وتوجه مساراتهم. فالفرد، مهما بلغت موهبته، لا يتطور في فراغ، وإنما داخل شبكة معقدة من العلاقات والمؤسسات والقيم والفرص التي تسهم، بدرجات متفاوتة، في تشكيل مستقبله.

ومن هذا المنظور، فإن ما نشاهده على أرضية الملعب ليس سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل طويل بدأ ربما قبل ولادة هؤلاء اللاعبين أنفسهم. إنها قصة أسر مهاجرة حملت معها حلمًا أكبر من مجرد تحسين مستوى العيش؛ حلمٌ بأن تمنح أبناءها ما افتقدته هي في بلدان المنشأ: مدرسة تكتشف و تصنع الموهبة، ومؤسسات تكافئ الكفاءة، ونظامًا يضمن تكافؤ الفرص، ومجتمعًا لا يحاكم الإنسان على أصله أو لونه، بل على قدرته وإبداعه.

لذلك، فإن قصة مبابي، وحكيمي، ويامال، وويليامزوغيرهم ليست، في جوهرها، قصة نجوم كرة قدم، بل قصة تفاعل بين طموح الأسرة، وجهد الفرد، وكفاءة المجتمع. إنها قصة تكشف أن النجاح ليس نتاج العبقرية الفردية وحدها، وإنما ثمرة منظومة اجتماعية متكاملة تعرف كيف تحول الإمكانات الكامنة إلى إنجازات ملموسة. ولهذا، فإن فهم هذه النماذج لا يقتضي الاكتفاء بالإعجاب بموهبتها، بل يستدعي تحليل البيئة التي أنتجتها، لأن المجتمعات، مثلما تُنتج الفشل، تستطيع أيضًا أن تُنتج التميز عندما تبني منظومات حاضنة للإنسان.

وراء تألق نيكو وإينياكي ويليامز قصة أسرة غادرت غانا بحثًا عن حياة أكثر كرامة. ووراء لامين يامال أسرة متعددة الجذور تجمع بين المغرب وغينيا الاستوائية، آمنت بأن مستقبل الابن يستحق كل جهد. ووراء أشرف حكيمي والدان مغربيان عملا في إسبانيا حتى يشقا لابنهما طريقًا نحو النجاح. أما كيليان مبابي، ابن الأب الكاميروني والأم الجزائرية، فهو بدوره يجسد قدرة أبناء الهجرة على بلوغ أعلى مراتب التميز. ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة أسماء عدة مثل إدواردو كامافينغا، ودافيد ألابا، وبوكايو ساكا، وجيريمي دوكو، وغيرهم من أبناء الشتات الإفريقي الذين أصبحوا من أبرز نجوم كرة القدم العالمية.

هذه الأسماء ليست استثناءات معزولة، بل تعبر عن ظاهرة تستحق التأمل. إنها تكشف حقيقة كثيرًا ما نغفلها: إفريقيا لا تعاني من نقص في المواهب، بل من هشاشة المنظومات القادرة على اكتشافها ورعايتها وتحويلها إلى قيمة مضافة. فالمشكلة ليست في ندرة الموهبة، وإنما في ضعف البيئات المنتجة للتميز. فالموهبة مورد إنساني يتوزع بين الشعوب، أما تحويلها إلى إنجاز رياضي أو علمي أو اقتصادي فهو نتاج مؤسسات فعالة وسياسات عمومية تستثمر في الإنسان.

لكن الخطأ الذي نقع فيه كثيرًا هو أننا نفسر هذه النجاحات بالموهبة أو بالعمل فقط. نعم، العمل شرط أساسي، لكنه ليس الشرط الوحيد. ولو كانت الموهبة وحدها تكفي، لكانت القارة الإفريقية تتصدر باستمرار مختلف مجالات الرياضة والعلوم والابتكار. الحقيقة أن الموهبة موجودة في كل مكان، أما الفرصة فليست متاحة للجميع.

وهنا يبرز مفهوم المنظومة الحاضنة (Ecosystem)، الذي أصبح يحتل مكانة مركزية في أدبيات التنمية والابتكار. فالنجاح لا يولد في الفراغ، بل داخل منظومة تبدأ بالأسرة التي تغرس الثقة والانضباط، وتمر بالمدرسة التي تكتشف القدرات، والنادي الذي يصقل المهارات، والمؤسسات التي تضمن تكافؤ الفرص، وتنتهي بثقافة مجتمعية تشجع الطموح وتحميه بدل أن تحاصره.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن التفوق لا ينتج عن عبقرية استثنائية، وإنما عن منظومات قادرة على اكتشاف الكفاءات مبكرًا، وحمايتها، ومرافقتها، وتوفير شروط تطورها. فالفرق بين المجتمعات ليس في نوعية البشر، بل في نوعية المؤسسات التي تصنع البشر.

ومن منظور سوسيولوجي، يفسر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هذه الظاهرة من خلال مفهوم الرأسمال بأشكاله المختلفة. فالرأسمال الاقتصادي يوفر الإمكانات، والرأسمال الثقافي يمنح المعرفة والقيم، والرأسمال الاجتماعي يفتح شبكات العلاقات والثقة. وعندما تتكامل هذه الأشكال، تصبح فرص النجاح أكبر بكثير من مجرد الاعتماد على الجهد الفردي. ويضيف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بوتنام أن المجتمعات التي تتمتع بثقة متبادلة بين المواطنين، ومؤسسات فعالة، وشبكات تعاون قوية، تكون أكثر قدرة على اكتشاف المواهب وتحويلها إلى إنجازات جماعية. فالنجاح ليس ملكية فردية، بل هو نتاج مجتمع بأكمله.

وهنا تبرز فكرة محورية في سوسيولوجية التنمية، وهي أن الرأسمال البشري يشبه المادة الخام؛ فهو موجود في مختلف المجتمعات، لكن قيمته لا تتحقق إلا عندما توجد مؤسسات قادرة على تحويله إلى إنتاج وإبداع وابتكار. ولهذا، فإن النجاح الذي حققه أبناء الشتات الإفريقي لا يعكس تفوقًا وراثيًا أو ثقافيًا، بل يعكس قدرة منظومات معينة على تحويل الإمكانات البشرية إلى قيمة مضافة تخدم المجتمع والاقتصاد والرياضة.

وهذا ما يفسر، في جانب منه، نجاح عدد كبير من أبناء الشتات الإفريقي. فقد حملت أسرهم معها قيم الصبر والاجتهاد والطموح، بينما وفرت لهم البلدان التي نشؤوا فيها منظومات تعليمية ورياضية ومؤسساتية قادرة على اكتشاف مواهبهم وصقلها. لقد التقت ثقافة الكفاح التي حملتها الأسرة مع منظومة الفرص التي وفرها المجتمع، فكانت النتيجة أبطالًا عالميين.

إن هذه القصص لا تمجد الهجرة في حد ذاتها، ولا تقلل من قيمة الأوطان الأصلية، بل تدعونا إلى طرح سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو توفرت داخل بلداننا المنظومات نفسها؟ كم من مبابي، وكم من حكيمي، وكم من لامين يامال، وكم من نيكو ويليامز يعيش اليوم في قرية نائية أو حي شعبي، لكنه لن يجد المدرسة التي تكتشف موهبته، ولا النادي الذي يصقلها، ولا المؤسسة التي تؤمن بقدراته

إن القضية، في جوهرها، ليست قضية كرة قدم، بل قضية تنمية. فالأمم لا تتقدم لأنها تمتلك ثروات طبيعية أكثر، بل لأنها تعرف كيف تحول الإنسان إلى ثروة. وكل طفل لا يجد فرصة عادلة هو خسارة للوطن قبل أن يكون خسارة لنفسه. وكل موهبة تضيع بسبب الفقر، أو ضعف المؤسسات، أو غياب تكافؤ الفرص، هي رأسمال بشري مهدور.

لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ ببناء الملاعب، بل ببناء الإنسان. ولا يبدأ بانتظار ظهور العباقرة، بل ببناء منظومة تجعل من كل طفل مشروع نجاح محتمل. فالدول التي تراهن على الإنسان لا تنتظر الأبطال، بل تصنعهم.

إن قصة هؤلاء الاعبين، ليست مجرد قصص نجاح رياضي، بل هي رسالة إلى دول الجنوب: لا تدفعوا ابناءكم الى الهجرة، بل ابنوا المنظومات التي تجعلهم مواهب تزدهر في أوطانها. فحين يصبح الاستثمار في الإنسان خيارًا استراتيجيًا، لا يعود الهامش هامشًا، ولا يبقى الجنوب مجرد خزان للمواهب يمد الشمال بأبطاله، بل يتحول إلى فضاء منتج للمعرفة، والإبداع، والتميز.

ان الرهان الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لم يعد من يملك أكبر احتياطي من النفط أو المعادن، بل من يملك القدرة على اكتشاف الإنسان وتنمية قدراته. وعندما تدرك دول الجنوب هذه الحقيقة، لن تهاجر الأحلام بحثًا عن الفرصة، بل ستولد الفرص داخل أوطانها، وسيتحول أبناء إفريقيا من باحثين عن المجد في أماكن أخرى... إلى صناع للمجد على أرضهم، وللعالم أجمع.