تحليل

قانون المحاماة بين شمولية الإصلاح ووحدة منظومة العدالة: أي دور للمحكمة الدستورية؟

مصطفى المنوزي

(انتهاك الحق في التقاضي ونظرية استغراق الأسباب والنتائج)

 

لا يمكن النظر إلى التشريع المتعلق بمهنة المحاماة باعتباره مجرد قانون ينظم أوضاع فئة مهنية بعينها، لأن آثاره تتجاوز المحامين إلى مختلف مكونات منظومة العدالة، وتمتد إلى علاقة المواطنين بالإدارة، وإلى ضمانات الولوج إلى القضاء، ومساطر التقاضي، والتنظيم القضائي، وجودة التشريع ذاته. فالمحاماة ليست مهنة معزولة، وإنما مؤسسة دستورية تؤدي وظيفة أساسية في حماية الحقوق والحريات، وصيانة شروط المحاكمة العادلة، وضمان فعالية الحق في التقاضي، وتحقيق الأمن القانوني والقضائي.

ومن ثم، فإن أي مساس بالتوازن الدستوري الذي يحكم تنظيم المهنة لا يقف أثره عند حدود المحامين، بل ينعكس مباشرة على المتقاضي، باعتباره المستفيد الأول من استقلال الدفاع. فالحق في التقاضي لا يقتصر على مجرد ولوج المحكمة، وإنما يشمل الحق في دفاع مستقل وفعال، وفي إجراءات منصفة، وفي قضاء يحقق المساواة بين أطراف الخصومة.

ولهذا، فإن إصلاح تشريع المحاماة لا ينبغي أن يتم بمنطق تعديل قانون مهني منفصل، بل وفق رؤية شمولية تراعي وحدة النسق القانوني والقضائي، وانسجام مختلف مكوناته، وتستحضر الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة. فكل تعديل يطال المحاماة ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على توازن العدالة برمتها، لأن منظومة العدالة كلٌّ مترابط، لا يمكن تجزئة ضماناته أو توزيعها بين قوانين مستقلة ظاهريًا ومترابطة موضوعيًا.

وتتأكد هذه الحقيقة إذا استحضرنا أن مشروع قانون مهنة المحاماة لم يأت بمعزل عن باقي الإصلاحات، بل أعقب تمرير قانون المسطرة الجنائية، وقانون المسطرة المدنية، وقانون التنظيم القضائي، بما يجعله الحلقة الأخيرة في سلسلة تشريعية مست جميع مفاصل العدالة. غير أن هذه الحلقة بدت الأكثر هشاشة، لأن المقاربة التي اعتمدت في إعدادها خاطبت كل فئة وكل مصلحة على حدة، بدل بناء تصور مندمج يحافظ على وحدة المنظومة وتوازنها الدستوري.

وهنا تتجلى نظرية استغراق الأسباب والنتائج؛ فإذا كان السبب هو اختلال الرؤية الشمولية للإصلاح، فإن النتيجة لن تقتصر على قانون المحاماة وحده، بل ستستغرق آثارها مختلف النصوص المرتبطة به، بما قد يؤدي إلى إضعاف فعالية الإصلاح برمته. والعكس صحيح أيضًا، فإذا أعيد تصحيح الحلقة الأخيرة وفق مقتضيات الدستور، فإن ذلك يفتح المجال لإعادة قراءة المنظومة كلها في ضوء وحدة العدالة، لا في ضوء تجزئة التشريع.

ولذلك، فإن التوازن بين مكونات العدالة لا تصنعه اعتبارات المصلحة القطاعية، وإنما يحكمه الدستور باعتباره المرجعية العليا المنظمة للعلاقات بين المؤسسات والسلطات والتنظيمات المهنية المستقلة. ومن ثم، تظل الرقابة الدستورية الضمانة الأساسية لإعادة الاعتبار لهذا التوازن كلما اختل، ولتصحيح ما قد يشوب العملية التشريعية من انحراف عن المبادئ الدستورية أو من تضييق غير مبرر على المهام الدستورية التي تضطلع بها التنظيمات الذاتية، وفي مقدمتها هيئات المحامين.

ومن هذا المنطلق، يبدو منتظرًا أن تستبعد المحكمة الدستورية بعض المقتضيات التي قد ترى أنها لا تنسجم مع أحكام الدستور ومبادئه، مع احتمال الإبقاء على مقتضيات أخرى قد لا يتكشف وجه عدم دستوريتها إلا عند التطبيق العملي. وهنا تبرز أهمية آلية الدفع بعدم الدستورية باعتبارها رقابة لاحقة تمكن المتقاضين من الطعن في النصوص التي يظهر، عند تنزيلها، أنها تمس بالحقوق والحريات المضمونة دستوريا، وعلى رأسها الحق في التقاضي والحق في الدفاع.

وبذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية، مهما بلغت أهميته، لن يكون نهاية النقاش الدستوري حول قانون المحاماة، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من استكمال الرقابة الدستورية عبر الدفع بعدم الدستورية، بما يعزز حماية الحقوق والحريات، ويكرس سمو الدستور، ويؤكد أن إصلاح العدالة لا يتحقق بتجميع نصوص متفرقة، وإنما ببناء منظومة تشريعية متماسكة، منسجمة مع الدستور، وقادرة على صون استقلال الدفاع، وحماية الحق في التقاضي، وخدمة المتقاضي، وترسيخ دولة الحق والقانون.