تحليل

دراسة في نقاط الضعف واختلاف فلسفة التدريب بين منتخبات المغرب وفرنسا وإسبانيا

منير لكماني ( من ألمانيا)

لم يكن سقوط فرنسا أمام إسبانيا منفصلا عن فوزها السابق على المغرب، بل بدا كأنه الوجه الآخر للمشهد نفسه. فالأدوات التي خنقت بها فرنسا الهجوم المغربي الضغط، إغلاق المساحات، وتسريع اللعب بعد افتكاك الكرة عادت لتواجهها أمام منتخب إسباني أكثر قدرة على التحكم في الإيقاع واستعادة الإستحواذ. غير أن إسبانيا لم تكتف بتكرار الوصفة الفرنسية، بل طورتها: ضيقت زوايا التمرير، دفعت عددا من لاعبي فرنسا إلى فقدان الكرة، ثم استغلت لحظات الإرتباك قبل أن يستعيد الفرنسيون مواقعهم. وهكذا تحولت فرنسا، في ظرف مباراة واحدة، من فريق يعاقب خصمه على أخطائه إلى فريق يدفع ثمن أخطائه تحت ضغط أكثر دقة وتنظيما.

نجحت فرنسا أمام المغرب لأنها فرضت مباراة تقوم على القوة البدنية، والضغط المباشر، وإغلاق العمق، ثم الإنتقال السريع نحو الهجوم. لم تكن فرنسا بحاجة إلى امتلاك الكرة طوال الوقت، بل ركزت على منع المغرب من بناء هجماته بطريقة مريحة. وعندما كانت الكرة تصل إلى أحد الأظهرة المغاربة، كان الضغط الفرنسي يدفعه نحو الخط الجانبي، حيث تقل خيارات التمرير ويصبح فقدان الكرة أكثر احتمالا.

ظهر الضعف المغربي أساسا في بطء الخروج بالكرة، وفي اتساع المسافة بين لاعبي الوسط والمهاجمين. فعندما كان المغرب يفتك الكرة، لم يكن يجد دائما عددا كافيا من اللاعبين المتقدمين لمساندة الهجمة. كما أن الخوف من سرعة المهاجمين الفرنسيين جعل الأظهرة أقل اندفاعا إلى الأمام، وهو ما قلل الحلول الهجومية على الأطراف.

كذلك عانى المنتخب المغربي من صعوبة اللعب بين خطوط فرنسا. فقد سمح له المنتخب الفرنسي بتبادل التمريرات في المناطق البعيدة، لكنه أغلق الممرات المؤدية إلى منطقة الجزاء. ولذلك بدا الإستحواذ المغربي في بعض الفترات جيدا من حيث الشكل، لكنه لم يكن خطيرا من حيث الفاعلية. كانت الكرة تتحرك عرضيا، بينما بقي الدفاع الفرنسي منظما وقريبا من بعضه.

غير أن المشهد تغير أمام إسبانيا. فقد وجدت فرنسا نفسها في الوضع نفسه الذي فرضته سابقا على المغرب. سيطرت إسبانيا على وسط الملعب، وضغطت مباشرة بعد فقدان الكرة، ومنعت الفرنسيين من تنفيذ الهجمات الإنتقالية السريعة. وهنا ظهرت أهم نقاط ضعف فرنسا: حاجتها إلى المساحات، وصعوبة بناء الهجوم أمام فريق منظم، وعدم توازنها الدفاعي على الأطراف.

ومن أبرز أسباب تراجع فرنسا كثرة فقدان الكرة من عدد من لاعبيها، سواء بسبب سوء التمرير أو الإحتفاظ الزائد بالكرة أو الإستلام تحت ضغط قوي. لم يكن فقدان الكرة مجرد أخطاء فردية منفصلة، بل كان نتيجة لطريقة الضغط الإسبانية التي أغلقت زوايا التمرير ودفعت اللاعب الفرنسي إلى اتخاذ قراره بسرعة. وعندما كان أحد لاعبي الوسط أو الهجوم يفقد الكرة، كانت إسبانيا تنتقل فورا إلى الأمام قبل أن يستعيد المنتخب الفرنسي تنظيمه الدفاعي.

كما أن بعض لاعبي فرنسا حاولوا حل المشكلات بصورة فردية. فقد لجأ عدد منهم إلى المراوغة في مناطق مزدحمة، بدلا من تمرير الكرة بسرعة إلى لاعب قريب. وأدى ذلك إلى خسارة الإستحواذ في مواقع خطيرة، وإلى استنزاف بدني إضافي، لأن الفريق كان يضطر إلى الركض نحو مرماه بعد كل كرة مفقودة. ومع تكرار هذه الحالات، تراجعت ثقة اللاعبين وأصبح بناء الهجمات أكثر تردداً.

اعتمدت فرنسا أمام المغرب على سرعة مهاجميها، لكنها لم تجد المساحات نفسها ضد إسبانيا. كان المنتخب الإسباني يفقد الكرة ثم يستعيدها بسرعة، وهو ما منع فرنسا من تحويل الدفاع إلى هجوم. كما أن التمريرات الإسبانية القصيرة أجبرت لاعبي فرنسا على الركض المستمر خلف الكرة، فظهرت مساحات بين خط الوسط وخط الدفاع.

ومن نقاط ضعف فرنسا أيضا أن بعض لاعبيها الهجوميين لا يشاركون دائما بالفاعلية المطلوبة في الواجب الدفاعي. استغلت إسبانيا هذا الأمر عن طريق تكوين زيادات عددية على الأطراف، باستعمال الجناح والظهير ولاعب الوسط. وأصبح المدافع الفرنسي أمام خيارات صعبة: إما أن يتقدم للضغط ويترك مساحة خلفه، أو يتراجع ويمنح اللاعب الإسباني وقتا أكبر للتحكم في الكرة.

أما على مستوى المدربين، فإن مدرب إسبانيا ينطلق من فلسفة هجومية تقوم على التحكم في المباراة بواسطة الكرة. بالنسبة إليه، لا يمثل الإستحواذ هدفا جماليا، بل وسيلة لتنظيم الفريق، وإبعاد الخصم عن المرمى، وإجباره على الدفاع. يعتمد أسلوبه على قرب اللاعبين من بعضهم، والتحرك المستمر، وتكوين مثلثات التمرير، وصناعة لاعب حر قادر على تجاوز الضغط.

في المقابل، يعتمد مدرب المغرب بدرجة أكبر على التنظيم الدفاعي، والإنضباط، والإنتقال السريع بعد افتكاك الكرة. وتمنح هذه الفلسفة الفريق قوة كبيرة أمام المنتخبات التي تهاجم بعدد كبير من اللاعبين، لأنها تتيح للمغرب استغلال المساحات الموجودة خلفها. غير أن هذا الأسلوب قد يواجه صعوبات عندما يتأخر المنتخب في النتيجة ويصبح مطالبا بصناعة اللعب أمام دفاع متماسك.

يتميز مدرب إسبانيا بالمبادرة وفرض هوية واضحة على الخصم، بينما يتميز مدرب المغرب بالواقعية والتكيف مع طبيعة المنافس. لكن المدرب الإسباني يبدو أكثر استعدادا للمباريات التي تتطلب السيطرة الطويلة، في حين يحتاج مدرب المغرب إلى تطوير حلول البناء الهجومي، خصوصا عند غياب المساحات أو عند مواجهة ضغط مرتفع.

إن فرنسا هزمت المغرب بحرمانه من الإنتقال السريع، ثم هزمتها إسبانيا بالطريقة نفسها، ولكن بجودة جماعية أكبر. ولم تخسر فرنسا بسبب استحواذ إسبانيا فقط، بل أيضا بسبب كثرة فقدان لاعبيها للكرة وعجزهم عن الإحتفاظ بها تحت الضغط. لقد نزعت إسبانيا من فرنسا سلاحها الأساسي، وهو المساحات، ثم حولت أخطاء لاعبيها في التمرير والإستلام إلى فرص هجومية. وهكذا انتقلت فرنسا من فريق يفرض الضغط على خصمه إلى فريق عاجز عن الخروج من ضغط أكثر دقة وتنظيما.