ينص الفصل 42 من دستور المملكة على أن الملك، بصفته رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة، هو حامي الدستور، والساهر على احترامه، وعلى حسن سير المؤسسات الدستورية، وصيانة الاختيار الديمقراطي. ولا يقتصر هذا الوصف على بعده الرمزي، بل يجد تجسيده العملي في انتظام عمل المؤسسات الدستورية، كل في نطاق اختصاصاتها، بما يكفل سمو الدستور واستمرارية الدولة وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، لا تمارس حماية الدستور بإرادة منفردة، وإنما عبر منظومة دستورية متكاملة تتوزع فيها الاختصاصات بين مختلف المؤسسات. فإذا كان الملك يجسد الضمانة الدستورية العليا لاستمرار الدولة وانتظام مؤسساتها، فإن المحكمة الدستورية تمثل الضمانة القضائية لسمو الدستور، من خلال رقابتها على دستورية القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها، بما يحول دون دخول أي نص تشريعي مخالف للدستور إلى المنظومة القانونية.
وفي هذا السياق، يكتسي القانون المنظم لمهنة المحاماة أهمية دستورية خاصة، لأنه لا ينظم نشاطًا مهنيًا عاديًا، بل يؤطر مهنة أسند إليها الدستور، بصورة مباشرة وغير مباشرة، دورًا محوريًا في ضمان الحق في الدفاع، والمساهمة في تحقيق العدالة، وترسيخ دولة الحق والقانون. ولذلك، فإن أي تعديل يمس بنيتها أو استقلالها أو تنظيمها الذاتي لا يخضع فقط لمعيار الملاءمة التشريعية، وإنما قبل ذلك لمعيار المطابقة للدستور.
لقد أثار مشروع قانون المحاماة رقم 23.66 نقاشًا دستوريًا غير مسبوق، ليس بسبب اختلاف الرؤى حول تطوير المهنة، وإنما بسبب ما اعتبره عدد من الفاعلين والباحثين تجاوزًا لبعض الثوابت الدستورية المؤطرة للمحاماة، سواء من حيث المنهجية التشريعية التي طبعت إعداد المشروع، أو من حيث عدد من مقتضياته الموضوعية.
فقد أثيرت ملاحظات جدية حول مدى احترام المشروع لمبادئ التشاركية المنصوص عليها في الدستور، ومدى استحضاره لمقتضيات الأمن القانوني، وحماية الحقوق المكتسبة، ومبدأ التناسب، فضلاً عن احترام الاستقلال التنظيمي للمهنة. كما شكلت المادة المتعلقة بإخضاع ودائع وأداءات هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات محورًا أساسيًا لهذا النقاش، بالنظر إلى ما تثيره من تساؤلات حول مدى انسجامها مع الطبيعة القانونية لهيئات المحامين واختصاصاتها الدستورية.
وليس المقصود من هذه الملاحظات الدفاع عن امتيازات فئوية، وإنما الدفاع عن منطق دستوري مؤداه أن المشرع، مهما اتسعت سلطته التقديرية، يبقى مقيدًا بأحكام الدستور ومبادئه. فالدستور ليس مجرد إطار عام للتشريع، بل هو المرجعية الملزمة التي تستمد منها القوانين مشروعيتها.
ومن هذا المنظور، فإن المحكمة الدستورية وهي تمارس رقابتها على قانون المحاماة، لا تفصل في خلاف مهني بين الحكومة والمحامين، ولا ترجح بين خيارات سياسية متعارضة، وإنما تؤدي وظيفة دستورية تتمثل في حماية سمو الدستور، وضمان احترام حدوده من قبل السلطة التشريعية.
ولذلك، فإن القرار المنتظر ستكون له آثار تتجاوز مهنة المحاماة، لأنه سيؤسس لاجتهاد دستوري مهم بشأن حدود السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم المهن ذات البعد الدستوري، وبشأن العلاقة بين الرقابة المالية واستقلال الهيئات المهنية، وبشأن مكانة الحقوق المكتسبة والأمن القانوني في البناء التشريعي المغربي.
إن المحكمة الدستورية اليوم أمام فرصة لتعزيز اجتهادها في تكريس المبادئ الدستورية التي سبق أن اعتمدتها في قراراتها، وعلى رأسها سمو الدستور، والتناسب، والأمن القانوني، والوضوح التشريعي، وحماية المراكز القانونية المستقرة، بما يضمن جودة التشريع واحترام دولة القانون.
وإذا كان الملك، بمقتضى الفصل 42 من الدستور، هو حامي الدستور والساهر على احترامه وحسن سير المؤسسات، فإن المحكمة الدستورية تمثل الأداة القضائية التي تتجسد من خلالها هذه الحماية في مجال الرقابة على التشريع. فالعلاقة بين المؤسستين ليست علاقة تداخل في الاختصاص، وإنما علاقة تكامل دستوري؛ إذ تمارس كل منهما وظائفها وفق ما رسمه الدستور، بما يضمن التوازن بين السلط، ويحافظ على سمو الوثيقة الدستورية.
ومن ثم، فإن القرار المرتقب بشأن قانون المحاماة لن يكون مجرد جواب عن مدى دستورية بعض المواد، بل سيكون رسالة دستورية إلى المشرع مفادها أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بكثرة النصوص، وإنما باحترام الدستور، وأن تحديث المهن القانونية لا يكون بإضعاف استقلالها، بل بتعزيز أدوارها الدستورية في خدمة العدالة وحماية الحقوق والحريات.
ففي نهاية المطاف، لا تقاس قوة دولة القانون بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بمدى خضوع هذه القوانين للدستور، وبقدرة المؤسسات الدستورية على صيانة هذا السمو بكل استقلال وتجرد. وتلك هي الغاية التي من أجلها أقيمت المحكمة الدستورية، وذلك هو أحد أبرز التجليات العملية للحماية الدستورية التي أسندها الدستور إلى المؤسسة الملكية، في إطار التكامل بين الشرعية الدستورية، واستقلال القضاء الدستوري، واستمرار الدولة .






