تحليل

الطريق إلى الله أم صناعة الأوهام؟.. قراءة نقدية مقاصدية في بعض الممارسات الصوفية المعاصرة

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)
ليس التصوف في أصله بدعةً طارئة على الإسلام، ولا هو دينٌ موازٍ للشريعة، ولا فلسفة غامضة منفصلة عن الوحي، وإنما هو أحد الأبعاد التربوية والأخلاقية التي نشأت داخل الحضارة الإسلامية لتجسد مقام الإحسان الذي جاء به حديث جبريل المشهور: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ولهذا ظل التصوف السني، الذي اصطلح العلماء على تسميته بالتصوف الجنيدي نسبة إلى الإمام الجنيد البغدادي، جزءًا أصيلًا من مدرسة أهل السنة والجماعة، يقوم على الجمع بين الشريعة والحقيقة، وبين العقل والذوق، وبين العلم والعمل، وبين الظاهر والباطن، دون أن يجعل أحدها خصمًا للآخر.

ولعل أعظم ما يميز مدرسة الجنيد قوله المشهور: «طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»، وقوله أيضًا: «كل طريق لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.» فالتصوف عنده ليس خروجًا عن النصوص، وإنما هو تعميق لمعانيها، وليس دعوة إلى تعطيل العقل، وإنما إلى تزكيته، وليس انفصالًا عن المجتمع، وإنما تهذيب للإنسان ليكون أكثر رحمة وعدلًا وأمانة وإحسانًا. ولذلك لم يكن كبار أئمة التصوف السني إلا علماء في الفقه والحديث والتفسير، يجمعون بين المعرفة الشرعية والتربية الروحية، كما نجد عند الجنيد، وأبي القاسم القشيري، وأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن الشاذلي، وأبي العباس المرسي، وغيرهم من أعلام الأمة.

إن الغاية الكبرى للتصوف ليست صناعة الكرامات، ولا البحث عن الخوارق، ولا إشغال الناس بعالم الغيب على حساب عمارة الأرض، وإنما تربية الإنسان على مراقبة الله، ومحاسبة النفس، والإخلاص، والصبر، والتواضع، والزهد، والرحمة، وحسن الخلق. ولهذا قال الإمام الجنيد: «التصوف هو استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني.» فجوهر التصوف هو الأخلاق؛ لأن الدين كله أخلاق، ومن ازداد في الأخلاق ازداد قربًا من الله تعالى.

غير أن كل علم من علوم الإسلام تعرض عبر التاريخ لمن ينتحل اسمه دون أن يلتزم حقيقته، ولم يكن التصوف استثناءً من هذه القاعدة. فقد تسربت إلى بعض المنتسبين إليه تصورات غريبة، وممارسات لا أصل لها في الكتاب والسنة، حتى أصبح اسم التصوف عند كثير من الناس مرادفًا للشعوذة والدجل، مع أن هذه الانحرافات لا تمثل التصوف السني، بل تمثل خروجًا عليه.

ومن أخطر مظاهر هذا الانحراف تحويل الشيخ المربي إلى شخصية فوق النقد، تُنسب إليها صفات لا تليق إلا بالأنبياء أو تقارب العصمة، فيصبح الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للحق، وتتحول التربية إلى تبعية عمياء، ويصبح الاعتراض على الشيخ اعتراضًا على الدين نفسه. وهذا يناقض تمامًا منهج أئمة التصوف الأوائل الذين كانوا يرون أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما انتشرت في بعض البيئات ممارسات تقوم على استغلال حاجات الناس النفسية والاجتماعية، من خلال بيع الأوهام باسم البركة، أو الوعد بقضاء الحاجات عن طريق التمائم والأحجبة والطلاسم، أو الادعاء بامتلاك قدرات خارقة في كشف الغيب أو التحكم في الأقدار أو علاج الأمراض دون أسباب مشروعة. وهذه الممارسات ليست من التصوف في شيء، بل هي من الدجل الذي حاربه القرآن الكريم والسنة النبوية، لأنها تفسد عقائد الناس، وتعطل عقولهم، وتستغل ضعفهم.

ومن مظاهر الخلل أيضًا تحويل الكرامة من أمر استثنائي لا يلتفت إليه الأولياء إلى وسيلة للدعاية وكسب الأتباع. فالعارفون بالله لم يكونوا يطلبون الكرامات، بل كانوا يخشون أن تكون فتنة لهم، وكانوا يعدون أعظم كرامة هي الاستقامة على أمر الله. ولهذا قال بعضهم: «إذا رأيت الرجل يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة.» فالاستقامة أعظم من ألف كرامة.

ومن المؤسف أن بعض الجماعات المعاصرة جعلت التصوف ملاذًا للهروب من الواقع، فغابت عنها رسالة الإصلاح الاجتماعي، وتراجعت قيم العمل والإنتاج، وحل محلها الانشغال بالمظاهر والطقوس التي لا تغير أخلاق الإنسان ولا تنهض بالمجتمع. بينما كان كبار الصوفية يعيشون بين الناس، يعلمون، ويجاهدون، ويبنون المؤسسات العلمية، ويصلحون ذات البين، ويشاركون في نهضة الأمة.

كما أن بعض الخطابات الصوفية المعاصرة وقعت في الشعبوية الروحية، فخاطبت العاطفة وحدها، وأهملت بناء العقل، حتى أصبح كثير من الأتباع يرفضون التفكير والنقد والمراجعة، ويعدون كل سؤال سوء أدب، وكل نقاش ضعفًا في الإيمان. وهذا يتناقض مع التراث الصوفي السني الذي لم يكن خصمًا للعقل، بل كان يرى أن العقل نعمة إلهية، وأن الذوق الصحيح لا يناقض البرهان الصحيح، وإنما يكمله في مجاله.

لقد كان التصوف الجنيدي يعيش جدلًا خلاقًا بين الشرع والعقل والذوق؛ فالشرع يضبط المسار، والعقل يفهم ويستنبط، والذوق يزكي القلب ويمنحه حياة الإيمان. فإذا انفصل الذوق عن الشرع تحول إلى انحراف، وإذا انفصل عن العقل تحول إلى خرافة، وإذا غاب عنه مقصد الأخلاق أصبح مجرد طقوس لا روح فيها.

ومن هنا فإن الحاجة اليوم ليست إلى هدم التصوف، كما يدعو بعض المتشددين الذين يختزلون تاريخه في أخطاء بعض المنتسبين إليه، وليست إلى الدفاع عن كل ما يُنسب إليه كما يفعل بعض المريدين، وإنما الحاجة إلى تجديد الخطاب الصوفي، برده إلى أصوله الأولى، وتنقيته من كل ما علق به من أوهام وأساطير، وإعادة الاعتبار لوظيفته التربوية والأخلاقية والحضارية.

إن تجديد الخطاب الصوفي يعني إعادة بناء العلاقة بين الروح والعقل، وبين العبادة والعمل، وبين الذكر والإنتاج، وبين الزهد والمسؤولية الاجتماعية، حتى يعود التصوف مدرسة لتكوين الإنسان الصالح الذي ينفع الناس، لا وسيلة للانسحاب من الحياة أو استغلال البسطاء.

كما يقتضي هذا التجديد تحرير مفهوم الولاية من المبالغات، وإعادة الاعتبار للعلم الشرعي، وإحياء منهج التربية القائم على المجاهدة والصدق والإخلاص، لا على صناعة الهالات والأساطير حول الأشخاص. فالولي الحقيقي هو من كان أكثر الناس اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعظمهم خلقًا، وأشدهم تواضعًا، وأصدقهم خدمةً للخلق.

ولقد أصاب من قال إننا اليوم بحاجة إلى إنقاذ ميراث التصوف من التحريف والتزييف والتخريف؛ فالتحريف يكون بإخراجه عن شروطه العلمية والشرعية، والتزييف يكون بانتحال لغته لوصف أحوال نفسية أو انفعالات عاطفية لا علاقة لها بالسلوك الإيماني، والتخريف يكون بتبرير الخرافة والدجل باسم العرفان والروحانية.

لقد كان العارفون بالله أبناء زمانهم، يفهمون واقعهم، ويتفاعلون مع قضايا مجتمعهم، ويجمعون بين صفاء الروح ورجاحة العقل، ولذلك أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية، ولم يكونوا عبئًا عليها. ولم يكن العقل عندهم خصمًا للإيمان، ولا كانت الروحانية بابًا لتعطيل التفكير، وإنما كانت الروح تمد العقل بآفاق جديدة، ويبقى العقل حارسًا يميز الصحيح من الزائف، والمشروع من المبتدع.

ولذلك فإن مستقبل التصوف في العالم الإسلامي مرهون بقدرته على استعادة النموذج الجنيدي، الذي يجعل الأخلاق غايته، والكتاب والسنة مرجعيته، والعقل شريكه، والمقاصد الشرعية بوصلته، وخدمة الإنسان رسالته. أما التصوف الذي يقوم على صناعة الأوهام، أو استغلال العواطف، أو تقديس الأشخاص، أو نشر الخرافة، فليس إلا انحرافًا عن روح التصوف قبل أن يكون انحرافًا عن الإسلام.

ويصدق في هؤلاء قول سلطان العاشقين عمر بن الفارض:

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم

وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا

فليس كل من ادعى المحبة صادقًا، ولا كل من لبس لباس التصوف صار من أهله، وإنما يعرف الرجال بالاستقامة، ويعرف التصوف بثمرته؛ فإذا أثمر علمًا، ورحمة، وأخلاقًا، وتواضعًا، وخدمةً للخلق، فهو التصوف السني الذي بناه الجنيد وأئمة الهدى. أما إذا أثمر خرافة، وتعصبًا، واستغلالًا، وإهدارًا للعقل، وانفصالًا عن مقاصد الشريعة، فليس من التصوف إلا الاسم، وليس من الروحانية إلا الدعوى.