أطلقت وزارة الفلاحة دراسة لتقييم الحصيلة المرحلية لاستراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030»، وتسريع تنفيذ برامجها خلال السنوات المتبقية، إلى جانب الإسهام في إعداد رؤية مستقبلية للقطاع الفلاحي في أفق سنة 2050.
وقد أُسندت هذه المهمة إلى تجمع استشاري يضم مكتب Boston Consulting Group إلى جانب Novec وAgro-Concept، بكلفة تقارب 11.85 مليون درهم، على أن تُنجز الدراسة الأساسية في مدة ثلاثة أشهر. ومن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على تقييم استراتيجية عمومية في منتصف مسارها؛ بل إن التقييم ضرورة مؤسساتية ومالية، خصوصاً بعد خمس سنوات اتسمت بالجفاف المتكرر، وارتفاع أسعار المدخلات، وتراجع القطيع، وتنامي الضغط على الموارد المائية.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ التقييم، وإنما بالطريقة التي تدبر بها الوزارة المعرفة والخبرة العمومية: لماذا تحتاج وزارة تتوفر على مديرية للاستراتيجية والإحصاء، وعلى مديريات مركزية وجهوية، ومكاتب جهوية للاستثمار الفلاحي، ومؤسسات عمومية متخصصة، ومدارس عليا للمهندسين، ومعاهد للبحث الزراعي، إلى مكتب استشاري خارجي ليخبرها، بعد خمس سنوات، بما تحقق وما لم يتحقق؟
الاستشارة الخارجية ليست المشكلة:
الاستعانة بمكتب دولي ليست في حد ذاتها علامة على الفشل. بعض الدراسات تحتاج إلى خبرة مقارنة، وإلى نظرة مستقلة، وإلى مناهج متطورة في التقييم والاستشراف. كما أن وجود مكاتب مغربية متخصصة ضمن التجمع الفائز يمنح المهمة بعداً وطنياً لا ينبغي تجاهله.
غير أن المشكلة تظهر عندما تتحول الاستشارة الخارجية من أداة مساعدة إلى بديل دائم عن قدرات الإدارة. فالدولة التي تمول تكوين المهندسين والباحثين والإحصائيين، وتدفع أجور آلاف الأطر، ثم تعهد في كل محطة استراتيجية إلى مكاتب خاصة بتشخيص القطاع وصياغة التوصيات، تكون قد أنشأت جهازاً إدارياً للتنفيذ دون أن تبني داخله قدرة حقيقية على التفكير والتقييم.
والأخطر أن المعرفة المنتجة بواسطة هذه الدراسات غالباً ما تبقى مرتبطة بالعقود والوثائق المغلقة، ولا تتحول بالضرورة إلى ذاكرة مؤسساتية متاحة للباحثين والجامعات والجهات والفاعلين المهنيين.
السؤال، إذن، ليس: لماذا BCG؟ بل: أين توجد منظومة التقييم الداخلي للوزارة؟ وما الذي أنتجته مديرية الاستراتيجية والإحصاء خلال السنوات الماضية؟ وهل توجد قاعدة بيانات موحدة تسمح بتتبع أهداف الجيل الأخضر سنوياً، حسب الجهة والسلسلة والفئة الاجتماعية وحجم الاستغلالية؟
استراتيجية بلا لوحة قيادة معلنة
أُطلقت استراتيجية الجيل الأخضر سنة 2020 بأهداف طموحة، من بينها رفع القيمة المضافة الفلاحية، وتطوير الطبقة الوسطى القروية، وإدماج الشباب، وتوسيع التغطية الاجتماعية، وتحسين نجاعة استعمال المياه، وتعزيز جودة الإنتاج والتسويق.
لكن الاستراتيجية العمومية لا تُقاس بالنوايا ولا بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بالفارق بين الأهداف والنتائج.
كان يفترض أن تتوفر الوزارة، منذ السنة الأولى، على لوحة قيادة علنية تتضمن مؤشرات دقيقة، مثل:
عدد الفلاحين الذين انتقلوا فعلياً إلى الطبقة الوسطى؛ عدد الشباب الذين حصلوا على الأراضي أو التمويل وأنشؤوا مشاريع مستدامة؛ تطور دخل الأسر القروية؛ إنتاجية المتر المكعب من الماء؛ تطور كلفة الدعم مقابل القيمة المضافة؛ نسبة المشاريع التي استمرت بعد انتهاء المواكبة؛ وتوزيع الاستثمارات بين الفلاحة الكبرى والصغرى وبين الجهات.
في غياب نشر منتظم لهذه المؤشرات، تصبح الاستراتيجية أقرب إلى مجموعة من البرامج المتفرقة منها إلى سياسة عمومية قابلة للقياس والمساءلة.
بل إن إطلاق صفقة جديدة للحصول على نظام معلومات لتتبع الاستراتيجية، بعد مرور جزء مهم من عمرها، يطرح إشكالاً جوهرياً: كيف كانت الوزارة تتابع التنفيذ منذ سنة 2020؟ وكيف كانت تقيس الانحرافات وتصححها إذا لم تكن منظومة المعلومات والقيادة مكتملة منذ البداية؟
لا يمكن اعتبار نظام التتبع ملحقاً تقنياً يُقتنى في منتصف الطريق؛ إنه جزء من تصميم الاستراتيجية نفسها. فالاستراتيجية التي لا تتوفر منذ انطلاقها على بيانات أساسية ومؤشرات ومصادر للتحقق ومسؤوليات محددة وآليات إنذار مبكر، تكون قد انطلقت عملياً من دون بوصلة كاملة.
معضلة البيانات الفلاحية
تزداد هذه الأسئلة مشروعية بالنظر إلى وضعية الإحصاء العام للفلاحة لموسم 2015-2016. فقد كان يفترض أن يوفر هذا الإحصاء قاعدة مرجعية حول بنية الاستغلاليات، ومساحاتها، وأنماط السقي، واليد العاملة، والقطعان، والتجهيزات، وخصائص المستغلين.
ومع ذلك، وبعد سنوات من إنجازه، ما تزال النتائج التفصيلية غير منشورة بالقدر الذي يسمح للباحثين والخبراء بتقييم التحولات الفلاحية بصورة مستقلة.
وهنا تظهر مفارقة مؤسساتية حقيقية: كيف يمكن تكليف مكتب استشاري بإنجاز تقييم متقدم لاستراتيجية وطنية، بينما لا تضع الوزارة نفسها قواعد البيانات البنيوية للقطاع رهن إشارة المجتمع العلمي والجامعات والفاعلين؟
لا توجد سياسة فلاحية حديثة من دون بيانات مفتوحة ومحدثة. فالقطاع أصبح يواجه تقلبات مناخية حادة، وتحولات في استعمال الأراضي، ونقصاً في اليد العاملة، وتغيراً في أنماط الاستهلاك، وتراجعاً في بعض الموارد المائية. ولا يمكن تدبير هذه التحولات بالإحصاءات المتأخرة أو بالبيانات المجزأة أو بالتقديرات الظرفية.
البيانات ليست نشاطاً ثانوياً. إنها بنية تحتية عمومية لا تقل أهمية عن السدود وشبكات الري.
من دعم الإنتاج إلى تقييم المردودية
خصصت الدولة خلال السنوات الماضية موارد مالية كبيرة لدعم الأسمدة والبذور والأعلاف ومياه الري والآلات والاستيراد وإعادة تكوين القطيع. وكان جزء مهم من هذه التدخلات ضرورياً لحماية الفلاحين والأمن الغذائي خلال سنوات الجفاف.
لكن استمرار الدعم من دون تقييم دقيق لمردوديته يفتح الباب أمام تشوهات اقتصادية خطيرة. فالسؤال ليس فقط كم أنفقت الدولة، بل أيضاً:
من استفاد فعلياً؟ هل وصل الدعم إلى الفلاح الصغير أم تمركز لدى وحدات أكبر؟ هل أدى إلى زيادة الإنتاج أم إلى رفع هوامش الوسطاء؟ هل انخفضت الأسعار بالنسبة للمستهلك؟ هل استمرت النتائج بعد توقف الدعم؟ وما كلفة كل منصب شغل وكل طن إضافي وكل متر مكعب من المياه جرى توفيره؟
تقييم السياسات الفلاحية يجب أن ينتقل من منطق تعداد المستفيدين والاعتمادات إلى قياس الأثر الصافي. فقد يكون البرنامج واسعاً من حيث الميزانية وعدد العمليات، لكنه ضعيف من حيث الإنتاجية والدخل والاستدامة.
أي نموذج فلاحي نريد؟
تأتي الدراسة الجديدة في لحظة تتطلب أكثر من مجرد تسريع تنفيذ المشاريع المتأخرة. فالمغرب يحتاج إلى مراجعة النموذج الفلاحي نفسه في ضوء الندرة المائية والتغير المناخي وتراجع اليد العاملة القروية.
لم يعد ممكناً اعتبار توسيع المساحات أو زيادة الإنتاج هدفاً مستقلاً عن كلفة المياه والطاقة والدعم. فلا معنى اقتصادياً لرفع إنتاج محصول معين إذا كان يستهلك مياهاً نادرة، ويستفيد من دعم مرتفع، ويولد قيمة مضافة محدودة، أو إذا كانت أرباحه تتركز لدى عدد ضيق من الفاعلين.
ينبغي أن يصبح المعيار المركزي هو القيمة الاقتصادية والاجتماعية المنتجة مقابل كل متر مكعب من الماء وكل درهم من الدعم وكل هكتار مستعمل.
كما ينبغي التمييز بين فلاحة تصديرية تنافسية قادرة على تحمل جزء أكبر من تكاليفها، وفلاحة عائلية تؤدي أدواراً اجتماعية وترابية وبيئية وتحتاج إلى حماية موجهة. إن التعامل مع الفئتين بالأدوات نفسها يؤدي إما إلى دعم غير عادل، وإما إلى إضعاف الفلاح الصغير.
الوزارة تحتاج إلى إعادة بناء قدراتها
القطاع الفلاحي المغربي لا يعاني من نقص في الكفاءات. المهندسون والخبراء والباحثون المغاربة يشتغلون في مؤسسات دولية ومراكز بحثية وشركات استشارية داخل المغرب وخارجه. كما تتوفر الوزارة والمؤسسات التابعة لها على موارد بشرية مهمة.
المشكلة هي ضعف تنظيم هذه الكفاءات داخل منظومة موحدة لإنتاج القرار.
لذلك، يجب ألا تنتهي الدراسة الجديدة بتقرير إضافي وعرض تقديمي وتوصيات عامة. ينبغي أن تكون مدخلاً لإصلاح مؤسساتي يشمل:
إنشاء هيئة دائمة ومستقلة نسبياً لتقييم السياسات الفلاحية؛ نشر قواعد البيانات والنتائج الإحصائية وفق معايير البيانات المفتوحة؛ توحيد أنظمة المعلومات بين الإدارات والمؤسسات التابعة للوزارة؛ ربط الدعم بمؤشرات الإنتاجية والاستدامة والدخل؛ وإشراك الجامعات ومراكز البحث المغربية في التقييم والتخطيط بصورة منتظمة، لا باعتبارها مجرد متعاقدين ظرفيين.
كما ينبغي إلزام التجمع الاستشاري بنقل المعرفة إلى أطر الوزارة، وتسليم النماذج وقواعد البيانات والمنهجيات والأدوات الرقمية المستعملة، حتى لا تضطر الإدارة بعد سنوات إلى شراء المعرفة نفسها من جديد.






