فالحكومة التي ستفرزها صناديق الاقتراع لن يكون دورها مقتصراً على تدبير الشؤون اليومية، وإنما ستكون مطالبة بقيادة البلاد خلال مرحلة ستتحدد فيها الخيارات الكبرى التي سترسم معالم العقد المقبل.
ويدخل المغرب هذا الاستحقاق وهو يتوفر على مؤهلات مهمة؛ فاستقراره المؤسساتي، والرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك، والتحديث المتواصل لبنياته التحتية، وتعاظم حضوره في إفريقيا والفضاء المتوسطي، إضافة إلى الأوراش الكبرى التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة، كلها عوامل عززت مكانته وجعلته فاعلاً إقليمياً يحظى بتقدير متزايد.
غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، لا تعفي البلاد من مواجهة تحديات كبرى. فما يزال معدل النمو الاقتصادي دون المستوى الكفيل بتلبية تطلعات مجتمع يغلب عليه الشباب وتزداد فيه مستويات التأهيل والكفاءة. كما لا تزال البطالة، ولاسيما في صفوف حاملي الشهادات، تثير الكثير من القلق، في وقت تستمر فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتتفاقم الضغوط المرتبطة بندرة المياه، وتداعيات التغيرات المناخية، وغلاء المعيشة، وتقلبات الاقتصاد العالمي.
وتزداد هذه التحديات تعقيداً مع الثورة المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتحول الطاقي، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وهي تحولات تعيد رسم أسس التنافسية بين الدول وتفرض عليها إعادة النظر في نماذجها التنموية.
وفي ظل هذا السياق، لا تكمن القضية الأساسية في معرفة أي حزب سيتصدر الانتخابات أو أي ائتلاف سيشكل الحكومة المقبلة، وإنما في سؤال أكثر عمقاً: هل ستُمكّن هذه الانتخابات المغرب من التوفر على مؤسسات قوية، ذات شرعية وفعالية، قادرة على تسريع الإصلاحات التي يتوقف عليها انتقاله إلى مصاف الدول الصاعدة؟
وبعبارة أخرى، فإن اقتراع الثالث والعشرين من شتنبر لا يمثل غاية في حد ذاته، بل يشكل نقطة انطلاق دورة سياسية جديدة، لن يُقاس نجاحها بإعلان النتائج ليلة الاقتراع، وإنما بقدرة المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع على إرساء حكامة أكثر نجاعة، وأكثر مسؤولية، وأكثر استجابة لتطلعات المواطنات والمواطنين.
ما بعد التنافس الانتخابي
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يطغى الاهتمام عادةً بما يدور بين الأحزاب من تنافس، وباحتمالات التحالفات، وبالتوقعات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة. ولا شك أن لهذه القضايا أهميتها، غير أنها ينبغي ألا تحجب النقاش الحقيقي حول ما هو أكثر جوهرية.






