تحليل

عضوية ورئاسة المغرب لمجلس حقوق الإنسان.. ثقة دولية وإنجازات ملموسة

محمد لعمارتي (أستاذ جامعي سابق للقانون وحقوق الإنسان)
المغرب‭ ‬عضو‭ ‬فعال‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬آليات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬عند‭ ‬تحويل‭ ‬آليات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬2006‭ ‬من‭ ‬اللجنة‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬كان‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المؤسسة‭ ‬للمجلس،‭ ‬مؤكدا‭ ‬التزامه‭ ‬بالمسار‭ ‬الدولي‭ ‬لتقوية‭ ‬آليات‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭. ‬هذه‭ ‬البداية‭ ‬وضعت‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مشاركة‭ ‬بناءة‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وتبعها‭ ‬تولّيه‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬2006–2007،‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬فرصة‭ ‬مبكرة‭ ‬للمملكة‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬أولويات‭ ‬المجلس‭ ‬ومرافقة‭ ‬بناء‭ ‬آلياته‭ ‬الداخلية‭.‬

الانتخابات‭ ‬والشرعية‭ ‬الدبلوماسية

انتخبت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬عبر‭ ‬تصويت‭ ‬بين‭ ‬193‭ ‬دولة،‭ ‬وحصل‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬عضوية‭ ‬المجلس‭ ‬لولايات‭ ‬متعددة‭ ‬(من‭ ‬بينها 2014–2016،‭ ‬ثم‭ ‬فترات‭ ‬لاحقة‭ ‬تغطي 2023–2025)،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرارية‭ ‬الثقة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬المملكة‭.‬

‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬لعام‭ ‬2024‭ ‬ترشّح‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬فأحرز‭ ‬المغرب‭ ‬30‭ ‬صوتا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬47‭ ‬عضوا‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬مقابل‭ ‬17‭ ‬صوتا‭ ‬لجنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬تأييد‭ ‬واسع‭ ‬داخل‭ ‬المجلس‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬حملات‭ ‬معارضة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬الضغط‭ ‬التي‭ ‬انتقدت‭ ‬سجل‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬حقوقية‭ ‬معينة‭.‬

العمل‭ ‬خلال‭ ‬الرئاسة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التسيير

تولي‭ ‬المغرب‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬2024‭ ‬وضعه‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬صياغة‭ ‬الأجندة‭ ‬وقيادة‭ ‬المداولات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬دولية‭ ‬مضطربة‭. ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تمكن‭ ‬المجلس،‭ ‬تحت‭ ‬رئاسة‭ ‬المغرب‭ ‬وبالتعاون‭ ‬مع‭ ‬أعضائه،‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬حوالي‭ ‬139‭ ‬نصاً‭ ‬وقراراً‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬2023–2025،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬والقيود‭ ‬الخارجية‭.‬

‬واجهت‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬قيودا‭ ‬ملموسة‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التمويل‭ ‬والبيئة‭ ‬السياسية‭ ‬الدولية؛‭ ‬فانسحاب‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬مساهمات‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬المجلس،‭ ‬وكذلك‭ ‬تصاعد‭ ‬النزاعات‭ ‬الدولية‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬تركيز‭ ‬الجسم‭ ‬الأممي‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬أدار‭ ‬المغرب‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بموازنة‭ ‬بين‭ ‬مقاربة‭ ‬فنية‭ ‬ودبلوماسية،‭ ‬محاولاً‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬العمل‭ ‬وتوسيع‭ ‬الحوار‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬إنسانية‭ ‬وإنمائية‭.‬

المحاور‭ ‬الموضوعاتية‭ ‬التي‭ ‬رعاها‭ ‬المغرب

أثناء‭ ‬رئاسته‭ ‬وعضويته،‭ ‬سعى‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أطر‭ ‬واسعة‭ ‬ومتشعبة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومنها:‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬السلم،‭ ‬مكافحة‭ ‬التمييز‭ ‬(بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ضد‭ ‬الأشخاص‭ ‬مزدوجي‭ ‬الانتماء‭ ‬الجنسي)،‭ ‬حماية‭ ‬البحارة،‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬وأمنه‭ ‬ومكافحة‭ ‬العنف‭ ‬الأسري،‭ ‬إدماج‭ ‬المحكوم‭ ‬عليهم‭ ‬سابقاً،‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وروابط‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بتأثيرات‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والصحي‭.‬

كما‭ ‬وضع‭ ‬المجلس‭ ‬قضايا‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬مثل‭ ‬تأثيرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬مرونة‭ ‬المجلس‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭ ‬وإدراجها‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭.‬

النهج‭ ‬المغربي‭ ‬والتعاون‭ ‬المتعدد‭ ‬الأطراف

نهج‭ ‬المغرب‭ ‬كان‭ ‬مركّزاً‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬البنّاء‭ ‬مع‭ ‬آليات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تقديم‭ ‬تقارير،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬حوارات‭ ‬استعراض‭ ‬الأداء،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬استضافة‭ ‬أو‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬فعاليات‭ ‬وورشات‭ ‬عمل‭ ‬وموائد‭ ‬مستديرة‭ ‬بمشاركة‭ ‬خبراء‭ ‬دوليين‭ ‬ومنظمات‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬جنيف‭.‬

اعتمد‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬مقاربته‭ ‬على‭ ‬مزج‭ ‬بين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬السياسية‭ ‬(لبناء‭ ‬تحالفات‭ ‬تأييدية‭ ‬داخل‭ ‬المجلس)‭ ‬والعمل‭ ‬التقني‭ ‬(تقديم‭ ‬خبرات‭ ‬ومبادرات‭ ‬عملية)،‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬رغم‭ ‬النقد‭ ‬الخارجي‭.‬

ومهدت‭ ‬أنشطة‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬لإطارات‭ ‬تعاون‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬هيئات‭ ‬أممية‭ ‬ومنظمات‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬وخبراء‭ ‬أكاديميين،‭ ‬مما‭ ‬يدعم‭ ‬بناء‭ ‬معارف‭ ‬وسياسات‭ ‬تطبيقية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬وطنية‭ ‬وإقليمية‭.‬

التحديات‭ ‬والانتقادات

واجه‭ ‬المغرب‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬التي‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬سلبية‭ ‬من‭ ‬سجل‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ونظمت‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭ ‬وانتقادات‭ ‬علنية‭ ‬أثناء‭ ‬ترشيحه‭ ‬لرئاسة‭ ‬المجلس‭. ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬أبرزت‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬الدولي‭ ‬للسياسات‭ ‬والممارسات‭ ‬الميدانية‭ ‬حسب‭ ‬ملاحظات‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭.‬

نقص‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وآلياتها،‭ ‬وتراجع‭ ‬مساهمات‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬أضعفا‭ ‬قدرة‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬بسرعة‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬والمالي‭ ‬للدول‭ ‬والأطراف‭ ‬المتضررة‭.‬

التوترات‭ ‬الدولية‭ ‬والنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬أثرت‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬أجندة‭ ‬المجلس‭ ‬وأحيانا‭ ‬حولت‭ ‬الاهتمام‭ ‬نحو‭ ‬ملفات‭ ‬إنسانية‭ ‬طارئة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬تطوير‭ ‬برامج‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

الدروس‭ ‬والأثر‭ ‬المستقبلي

‬فضاءات‭ ‬التأثير‭. ‬المشاركة‭ ‬المتواترة‭ ‬والفعّالة‭ ‬تمنح‭ ‬الدول‭ ‬إمكانية‭ ‬التقدم‭ ‬بأولوياتها‭ ‬وإدماجها‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬السياسات‭ ‬الدولية‭.‬

نجاح‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬المالية‭ ‬والسياسية‭ ‬يظهر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬ويعزز‭ ‬موقع‭ ‬المملكة‭ ‬كفاعل‭ ‬إقليمي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التوسط‭ ‬وبناء‭ ‬توافقات‭.‬

‬لتثبيت‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات‭ ‬يحتاج‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬مواصلة‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الفاعلين‭ ‬الدوليين‭ ‬والمحليين،‭ ‬وإعمال‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬داخل‭ ‬البلد‭ ‬لتحسين‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬الانتقادات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توسيع‭ ‬البرامج‭ ‬الوطنية‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الأممية‭ ‬لدعم‭ ‬مصداقيته‭ ‬الدولية‭.‬