فن وإعلام

متى تستعيد أمة اقرأ رسالتها؟

محمد هرار
ليس المقصود من هذا السؤال أن نزيد جراح أمتنا ألما، ولا أن نقف على أطلال الماضي نبكي أمجادا ذهبت، فإن البكاء لا يصنع حضارة، والحنين وحده لا يعيد للأمم مكانتها. وإنما أردت بهذا السؤال أن أطرق باب العقول قبل الآذان، وأن أحرك النفوس إلى وقفة صادقة مع الذات، لأن الأمة التي لا تراجع نفسها محكوم عليها أن تعيد أخطاءها جيلا بعد جيل.

وإذا كان لكل أمة عنوان تعرف به، فإن عنوان هذه الأمة كلمة واحدة نزل بها الوحي من السماء: “اقرأ”. ولم يكن اختيار هذه الكلمة أمرا عارضا، ولا توجيها يخص زمنا دون زمن، بل كان إعلانا بأن الطريق إلى الإيمان يمر بالعلم، وأن طريق العمران يبدأ بالمعرفة، وأن العقل الذي يفكر نعمة لا تقل شأنا عن القلب الذي يؤمن.

ولهذا لم يعرف التاريخ أمة ارتفعت بالجهل، كما لم يعرف حضارة شيدت على الكسل. وإنما قامت الحضارات كلها على عقول قرأت، وأيد عملت، ونفوس آمنت بأن لكل مجد ثمنا، وأن من طلب المعالي سهر الليالي.

لقد وعى الجيل الأول هذا المعنى، فلم يفهم “اقرأ” على أنها تلاوة ألفاظ فحسب، وإنما جعلها منهج حياة. فقرأ القرآن تدبرا، وقرأ الكون تفكرا، وقرأ الواقع إصلاحا، فانطلقت الأمة تبني الإنسان قبل البنيان، والعقول قبل القصور، حتى غدت قبلة للعلم، يقصدها الطالب من أقاصي الأرض، ويشد إليها الرحال الباحث عن المعرفة.

ولم يكن ذلك التاريخ المشرق وليد المصادفة، وإنما كان ثمرة أمة عرفت قيمة العلم، فأكرمت أهله، وفتحت لهم الأبواب، وأنفقت عليهم الأموال، حتى ظهر فيها من العلماء ما تعتز به الإنسانية كلها. فهذا ابن الهيثم يضع أسس علم البصريات، والخوارزمي يفتح للرياضيات آفاقا جديدة، والرازي وابن سينا يقدمان للطب ما بقي أثره قرونا، والإدريسي يرسم الخرائط التي اهتدى بها الناس في أسفارهم. وما هؤلاء إلا نماذج من رجال صدقوا ما آمنوا به، فرفع الله بهم شأن أمتهم.

ولم يكن أولئك العلماء ينتظرون شهرة، ولا يسعون إلى منصب، وإنما كانوا يدركون أن العلم رسالة، وأن القلم قد يبلغ من الأثر ما لا يبلغه السيف. وقد صدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: “من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الحديث قويت حجته، ومن تعلم اللغة رق طبعه”. وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا الفهم الشامل للعلم، فلا نحصره في شهادة تعلق على الجدران، ولا في وظيفة ينال بها المرء رزقه، بل نجعله وسيلة لإصلاح الإنسان والحياة.

ثم دارت الأيام، وضعفت الصلة بالعلم، حتى غدت القراءة عند كثير من الناس هواية ثانوية، لا ضرورة حياتية. وأصبح الكتاب ضيفا ثقيلا في بعض البيوت، بينما تتسابق الأمم إلى إنشاء مراكز البحث، وتمويل الابتكار، وإعداد الأجيال للمستقبل.

ولم تكن مصيبتنا أننا تأخرنا فحسب، بل إن كثيرا منا ظن أن النهضة تشترى كما تشترى السلع، وأن التقدم يستورد في الحاويات، مع أن الأمم لا تستورد عقولها، ولا تستأجر حضارتها، وإنما تبنيها لبنة بعد لبنة، وجيلا بعد جيل.

ولئن أخذنا من غيرنا وسائل العيش، فإننا لم نأخذ منهم أسباب النجاح. أعجبتنا النتائج، وغفلنا عن المقدمات، وأردنا الثمار دون أن نصبر على غرس الأشجار وسقيها. وما أصدق الحكمة القائلة: “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”. فسنن الله في الكون لا تجامل أحدا، ومن أخذ بالأسباب بلغ الغايات، ومن أهملها بقي أسير الأماني.

والمؤلم أن بعضنا لا يزال يعلق أسباب التخلف على غيره، وينسى أن القرآن حسم القضية منذ قرون بقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). إنها قاعدة في غاية الوضوح، تختصر طريق الإصلاح كله. فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: إيمان صادق، وعلم نافع، وعمل متقن، وأخلاق راسخة.

إن العودة إلى “اقرأ” ليست دعوة إلى الإكثار من اقتناء الكتب، وإن كان ذلك محمودا، وليست دعوة إلى جمع المعلومات، وإن كان ذلك مطلوبا، وإنما هي دعوة إلى أن يتحول العلم إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك، والسلوك إلى عمل، والعمل إلى حضارة. فكم من قارئ لا يثمر علمه، وكم من قليل القراءة كثير الفهم والعمل، وإنما الشأن كل الشأن في علم يهدي، وعقل يعي، وهمة تمضي.

ولعل أول ما نحتاج إليه اليوم أن نربي أبناءنا على السؤال قبل الجواب، وعلى التفكير قبل التقليد، وعلى البحث قبل التسليم، وأن نغرس فيهم أن الكتاب صديق، وأن المعرفة قوة، وأن الأمة التي تكرم علماءها لا تموت، وإن مرت عليها سنوات من الضعف.

وسيبقى السؤال قائما: متى تستعيد أمة اقرأ رسالتها؟

والجواب ليس بعيدا كما يتصور بعض الناس، ولا مستحيلا كما يظنه آخرون. إنه يبدأ يوم نؤمن أن إصلاح الأمة يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن الإنسان لا يصلح إلا إذا صلح عقله وقلبه، وأن أول الطريق كلمة، لكنها ليست كأي كلمة… إنها “اقرأ”.

فإذا عادت هذه الكلمة إلى مكانها في بيوتنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، ومساجدنا، وأسواقنا، عادت معها روح الأمة، واستعادت رسالتها، وأدرك الناس أن المجد لا يورث، وإنما يبنى، وأن الأمم لا تقاس بما كان لها، وإنما بما تصنعه اليوم لأجيالها وغدها.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.