في نيوجيرسي، مساء البارحة، 19 يوليوز، لم نشاهد مباراة كرة قدم فحسب، بل شاهدنا امتحانًا في الحكمة العملية. لقد رفع المنتخب الإسباني كأس العالم لأنه كان الأكثر سيطرة على مشاعر الغضب، والأكثر هدوءا ونقاء في اللعب. وخسر المنتخب الأرجنتيني لأنه اختار، حين ضاقت به السبل، طريق العنف والاستفزاز والتضليل.
لم تكن النتيجة (1-0 بعد شوطين إضافيين) إلا الترجمة الحسابية لتفوُّق نفسي وأخلاقي ظهر في كل تفاصيل اللقاء. فقد استحوذ الإسبان على الكرة، وسدّدوا نحو 20 محاولة، بينما أنهى خصمهم الوقت الأصلي كله دون تسديدة واحدة على المرمى.
ثم جاء الامتحان الأقسى. أطاحت إسبانيا بالشباك الأرجنتينية في الوقت الإضافي، فألغى الحكم الهدف بدعوى خطأ في البناء عدّه بعض الخبراء خطأً واضحًا من الحكم. هنا بالضبط تُختبر معادن النفوس. الفريق الذي لا يملك نفسه كان سينفجر: احتجاجٌ، وصراخ، وتحلّقٌ حول الحكم، وبطاقاتٌ، وانهيارٌ في التركيز. أما الثور الإسباني فلم يخضع للتهييج كما أريد له. تلقّى القرار بهدوء الأنفس الرفيعة، وأدار ظهره لـ"المظلمة"، وظل ثابتاً على الهدف الوحيد: المرمى الأرجنتيني. وبعد دقائق قليلة، جاء الجواب هدفاً لا يقبل الإلغاء ولا الالتباس.
في المقابل، كان الطرف الآخر ينزلق إلى الحضيض درجةً درجة. طُرد أحدهم في الرمق الأخير من الوقت الأصلي بعد تدخل متهور، فأكمل رفاقه اللعب بعشرة. وتوالت الخشونة والانحدار إلى ما بعد صافرة النهاية، حيث اندلعت مشادات عنيفة اتُّهم فيها لاعبون أرجنتينيون. فكان من الطبيعي أن ينتقل الشغب إلى شوارع العاصمة الأرجنتينية.
كتب سينيكا في رسالته «في الغضب» أن الغضب جنونٌ قصير، وأن المنتصر الحقيقي هو من ينتصر على نفسه أولاً. لقد طبّق الإسبان هذه الحكمة الرواقية دون أن يقرؤوها ربما؛ لأن التمرين الطويل على ضبط النفس يصير طبيعةً ثانية، في الرياضة كما في الحياة. فالقوة النفسية ليست موهبة تهبط من السماء، بل عادة تُبنى تمريناً بعد تمرين، ومباراةً بعد مباراة، حتى إذا جاءت لحظة الظلم الكبرى - هدفٌ ملغى في نهائي كأس العالم - شاهدنا فريقًا لا يستدرجه أحد إلى معركة غير معركته.
وهذا هو الدرس الذي أتمنى أن تستوعبه مجتمعاتنا: المعارك الكبرى لا يحسمها الصراخ ولا الشكوى ولا البحث عن الأعذار في تحكيم الحكام ورهانات المراهنين، بل يحسمها الثبات على الهدف، ونقاء الوسيلة، وتحويل الغضب من نارٍ تحرق صاحبها إلى وقودٍ يدفعه نحو المرمى. إن الأمم، كالمنتخبات، تُقاس لحظة يُلغى «هدفها»: أتنفجر فتخسر كل شيء، أم تهدأ فتسجّل من جديد؟
البارحة في نيوجيرسي، سجّلت إسبانيا من جديد. وليت مجتمعاتنا تستوعب الدرس.






