مجتمع وحوداث

حلول مهنية ومستدامة لمواجهة خصاص اليد العاملة بالقطاع الفلاحي

رياض وحتيتا (خبير فلاحي)
باتت إشكالية الخصاص المتزايد في اليد العاملة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي بالمغرب، خاصة خلال الفترات المرتبطة بالغرس والجني والحصاد، حيث يجد عدد كبير من الفلاحين والضيعات صعوبة متزايدة في توفير العمال بالعدد الكافي وفي الوقت المناسب. هذا الوضع، الذي تفاقم خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد مشكل ظرفي، بل تحول إلى معطى هيكلي يهدد مردودية الاستثمارات الفلاحية واستقرار الإنتاج الوطني.

ويعزى هذا الخصاص إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها التحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم القروي، وهجرة اليد العاملة نحو المدن، إضافة إلى تراجع جاذبية العمل الفلاحي بسبب صعوبة ظروفه وضعف الأجور مقارنة بقطاعات أخرى كالبناء والخدمات والصناعة. كما ساهمت العشوائية التي تطبع سوق التشغيل الموسمي في تفاقم الأزمة، حيث لا يزال عدد من الوسطاء غير المهيكلين يتحكمون في توفير العمال، ما يفتح الباب أمام المضاربة والاستغلال وغياب الضمانات الاجتماعية.

وفي مواجهة هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى إرساء حلول مهنية ومستدامة قادرة على تنظيم سوق الشغل الفلاحي وضمان استقرار اليد العاملة. ومن بين أبرز المقترحات، وضع دفتر تحملات خاص بشركات “الانتيريم” الفلاحي، بهدف تقنين عملية تشغيل العمال الموسميين ومحاربة السمسرة والعشوائية التي تضر بالفلاح والعامل على حد سواء.

ومن شأن هذا الإجراء أن يحدد بشكل واضح حقوق وواجبات مختلف الأطراف، سواء المشغلين أو العمال أو الشركات الوسيطة، مع ضمان احترام شروط السلامة المهنية، والتغطية الاجتماعية، والتصريح القانوني بالأجراء، فضلاً عن احترام الحد الأدنى للأجور. كما سيمكن من إحداث قاعدة بيانات وطنية للعمال الفلاحيين وفق التخصصات والمناطق، ما سيسهل عملية الربط بين العرض والطلب بطريقة أكثر احترافية وشفافية.

وفي السياق ذاته، يمكن لهذا التوجه أن يفتح آفاقاً جديدة أمام خلق مقاولات متخصصة في تدبير الموارد البشرية الفلاحية، خاصة في العالم القروي، حيث ستتكلف هذه المقاولات بتوفير العمال المؤهلين حسب طبيعة المواسم الزراعية المختلفة. فالمغرب، بحكم تنوعه المناخي والإنتاجي، يعرف نشاطاً فلاحياً مستمراً تقريباً على مدار السنة، سواء في زراعة الخضر أو الفواكه أو الأشجار المثمرة، ما يجعل الحاجة إلى اليد العاملة متواصلة بين الغرس والصيانة والجني والتوضيب.

كما يرى مهنيون أن نجاح هذا الورش يقتضي مواكبة الدولة لهذه المقاولات من خلال تقديم دعم إضافي في مجال التكوين والتأهيل المهني، بهدف إعداد يد عاملة متخصصة في مجالات دقيقة مثل التقليم، واستعمال المعدات الفلاحية الحديثة، وتقنيات الري، والجني، والتوضيب، واحترام معايير الجودة والسلامة. فرفع كفاءة العامل الفلاحي أصبح اليوم ضرورة ملحة لتحسين الإنتاجية ومواكبة التحولات التي يعرفها القطاع.

ومن بين الحلول المطروحة أيضاً، إمكانية استقطاب اليد العاملة الإفريقية بشكل قانوني ومنظم خلال الفترات التي تعرف خصاصاً حاداً، وذلك عبر عقود عمل واضحة ومؤطرة من طرف الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، بما يضمن احترام القوانين الوطنية وحقوق العمال. غير أن هذا الخيار يظل مكملاً وليس بديلاً عن ضرورة تأهيل اليد العاملة الوطنية وتحسين ظروف اشتغالها.

وفي هذا الإطار، يظل الرفع من الحد الأدنى للأجور الفلاحية (SMAG) أحد المطالب الأساسية المطروحة بقوة، باعتباره مدخلاً رئيسياً لاستعادة جاذبية العمل الفلاحي، وتحفيز الشباب القروي على البقاء في هذا القطاع بدل التوجه نحو أنشطة أخرى أكثر دخلاً واستقراراً.

وفي ظل التحديات المرتبطة بالمناخ والمياه والأسواق، يتضح اليوم أن مستقبل الفلاحة المغربية لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا أو تحديث وسائل الإنتاج، بل يظل رهيناً أيضاً بتثمين العنصر البشري، باعتباره الحلقة الأساسية في استدامة القطاع. لذلك، فإن تنظيم سوق الشغل الفلاحي، وتحسين الأجور، ودعم التكوين، وتشجيع المقاولات المتخصصة، تمثل خطوات ضرورية لبناء فلاحة مغربية أكثر قوة وتنافسية واستدامة في مواجهة رهانات المستقبل.