فن وإعلام

بسبب الأسئلة أحترم دافيد هلبيرت

محمد الخمسي (باحث ومفكر)

أحترم دافيد هيلبرت لأنه وضع 23 مسألة، أو بتعبير الرياضيين "حدسيات رياضية" (conjectures)، وهي خلاصات لعلماء في الرياضيات طرحوا أسئلة عميقة وكبيرة؛ رتبها هيلبرت وعرضها في مؤتمر يوم الثامن من غشت 1900، وهو المؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات (ICM - International Congress of Mathematicians)، ظهرت فيه أهمية المسائل ومجالات الرياضيات التي نشأت فيها.

اعتبر دافيد هيلبرت تلك الورقة بمثابة خارطة طريق، حيث حدد فيها اتجاه أبحاث الرياضيات ومستقبلها طوال القرن العشرين. اشتغلت على هذه المسائل عقول كبيرة لأكثر من مئة سنة، ولا يزال بعضها لم يتم الإجابة عنه لحد الآن، وقد تعمر قروناً. تقدمت بهذه القضايا علوم كثيرة وفي مجالات شتى، ومنها هذا الهاتف الذي أنقر عليه، وينقر عليه عقل فقهاء "الاستبداد" و"شهوة التأصيل" المتأخرة.

هذه العقول التي تصل حين يُقضى الأمر، وتخلق الفراغ وتمنع السؤال لأنها تملك الإجابات عن كل شيء، حتى في ما لا تعرف ظاهره من باطنه. هذه العقول تدخل التفاصيل في كل شيء دون حياء أو استحياء؛ عقول تكره السؤال لأنه يكشف عن عجزها في الإلمام بجملة من قضايا العصر، وترابطها وتشابكها، وأن العالم يُدار الآن بالمؤسسات وليس بالأفراد، ويُدار بالبحث عن أهم الأسئلة قبل إنتاج أجوبة معظمها لا فائدة منه لأنه يحمل عجز الإدراك أو استحالة التنفيذ.

حرفة هذا العقل أن يحشر نفسه في ما لا يملك معرفته، وحتى لو أُتيح لهم عمر آخر، فهو غير مستعد قبلياً للإنصات، وهو أول شرط لنمو عقله وتحرره من وهم الفهم.

الخلاصة الأولى:

لا يحتقر السؤال إلا عقل مغرور، يمثل امتداد عصور التخلف والانحطاط التي خلقت بيئة ممنوع فيها الشك أو السؤال. من التواضع أن يتأكد الإنسان أنه يدرك قليلاً في بعض القضايا، وتغيب عنه كثير من القضايا، ولذا استأثر الله سبحانه في علمه بالإحاطة. أدّب القرآن الكريم العقول البشرية بالإشارة إلى أن تتواضع في مجال العلم والمعرفة، فنزع عنها الإحاطة وجعلها أمراً خاصاً به، ولذا اعتاد المغاربة القول "هادشي لي علمني الله" بصيغة المغاربة، لأنهم فهموا أن إحاطة كمال وعظمة خاصة به سبحانه، فهو مُحيط بكل شيء علماً وقدرةً، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] مع قدرته على الحفظ والرعاية كما في قوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، أو بمعنى نفاذ القدرة كما في قوله عن الأمور: {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} [الفتح: 21].

من المؤكد أن التواضع لم يقتل أحداً، لكن الغرور يقتل صاحبه معنوياً قبل موته.

الخلاصة الثانية:

عقل السؤال عقل يتميز ببناء حضارات، بينما عقل الجواب يملأ الدنيا بالإنشاء اللغوي، بل اللغو على الهامش؛ لأنه لو أدرك قيمة الأسئلة لصمت في كثير من القضايا، فهو لا يملك مفاتيح فهمها، فكيف باقتراح رأي وحلول لها؟