كلنا نعلم أن كثيرا من المغاربة تابعوا بألم الجدل الذي رافق أسطول الصمود العالمي، ولمن لا يعلم فهو ائتلاف مدني دولي يضم حركات ومنظمات متضامنة مع الشعب الفلسطيني، ويعلن أن هدفه كسر الحصار عن قطاع غزة وإيصال المساعدات الإنسانية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية بوسائل سلمية. مع الأسف المبادرة وجدت نفسها، من حيث أرادت أن تكون جسرً للتضامن، في قلب أزمة لم تكن جزءا من رسالتها المعلنة.
في هذا السياق الموجع .... بثت إحدى منصاتها شريطًا وثائقيا ضمن سلسلة حملت عنوان «نضال واحد»، تناول قضية الصحراء المغربية من زاوية تتبنى أطروحة تخالف الموقف المغربي والتوجه العالمي، وظهرت فيه خريطة للمملكة من دون أقاليمها الجنوبية...
وخسر أسطول الصمود أصواتا مغربية ودولية كثيرة.... في لعبة نعرف من وراءها... من يجيد تنظيم حفلات التنكر والوساطات والاتجار بالأزمات...
ما علينا...فخلال ساعات، لم يعد النقاش يدور حول القافلة الإنسانية أو الحصار المفروض على غزة الصامدة، بل حول خريطة شعر المغاربة بأنها مست كرامتهم الوطنية... حذف المحتوى بعد موجة واسعة من الانتقادات، لكن الحذف لم يكن كافيا لإخماد الأسئلة التي أثارها.
ففي المغرب، لا تقرأ الخرائط بالطريقة نفسها التي تقرأ بها في مطابخ المخابرات بقناع النضال والإعلام... فالعملية مقصودة... تمثل اختزالا لتاريخ طويل من الصراع والذاكرة والانتماء...
مع الأسف... في الكيانات المصطنعة والصغيرة... القليلة الهواء التاريخي... تبدو الحدود، في نظر طباخيها، خطوطا قابلة للتأويل، لكنها بالنسبة إلى المغاربة جزء من سرديتهم الوطنية، ومن صورة الوطن التي تربوا عليها في البيت والمدرسة والشارع.
ولن يعجبوا من رد الفعل الذي لم يكن حكرا على المؤسسات أو الأحزاب. بل من اليسار إلى اليمين، ومن الصحفي إلى الأستاذ الجامعي، ومن الناشط الحقوقي إلى المواطن العادي، حيث علا شعور واحد: أن التضامن مع غزة لا يمكن أن يكون مدخلا للمساس بما يعده المغاربة قضية سيادية لا تقبل المساومة... ولا لخلق التباس مقصود يضر القضية الفلسطينية نفسها، فالمغرب لم يكن يوما ما بعيدا عن الجرح الفلسطيني. فمنذ عقود، حافظ على موقف ثابت في دعم الحقوق الفلسطينية، سواء عبر التحرك الدبلوماسي، أو من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، أو عبر المشاريع التي تنجزها وكالة بيت مال القدس الشريف في المدينة المقدسة، أو بالمساعدات الإنسانية التي وصلت إلى الفلسطينيين في أكثر من محطة.
أما على المستوى الشعبي، فقد كانت شوارع الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش ومدن أخرى فضاءات لمسيرات متكررة، رفعت فيها الأعلام الفلسطينية قبل أن ترفع أي شعارات أخرى.
كان وسيظل التضامن، بالنسبة إلى المغاربة، سياسي امتدادا لقناعة راسخة بأن الدفاع عن المظلوم واجب أخلاقي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
لهذا بدا المشهد مربكا.
كيف يمكن لمبادرة خرجت لنصرة شعب محاصر أن تغضب شعبا ظل من أكثر الشعوب وفاء للقضية الفلسطينية؟
لم يكن السؤال موجها إلى فلسطين، ولا إلى عدالة قضيتها، بل إلى الطريقة التي اختلط فيها العمل الإنساني بخطاب سياسي خبيث... فحين تخرج قافلة تحمل الدواء والغذاء، ينتظر الناس منها أن تبقى وفية لرسالتها الإنسانية، لا أن تدخل، بقصد أو بغير قصد، في نزاعات معقدة تتجاوز مهمتها الأصلية.
وربما هنا يكمن الدرس الأول الذي كشفته هذه الواقعة..
فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى أن تُحمّل بما ليس منها، ولا إلى أن تقحم في صراعات أخرى. وكلما حافظ العمل الإنساني على استقلاله عن الاستقطابات السياسية والاستخباراتية، ازدادت قوته الأخلاقية واتسعت دائرة التعاطف معه.
أما حين تختلط الرسائل، يصبح من السهل أن تضيع البوصلة، وأن يتحول النقاش من معاناة المدنيين في غزة إلى خلافات لا علاقة لها بهدف القافلة ولا بسبب انطلاقها.
لا يشعر الناس في المغرب بأن عليهم الاختيار بين القدس والعيون، أو بين غزة والصحراء المغربية. بالنسبة إليهم، لا تناقض بين التضامن مع شعب يواجه الحرب والإبادة والاحتلال والقهر والتجويع، وبين الدفاع عن وطن يرون أن وحدته جزء من هويتهم. لهذا لم يكن الغضب تعبيرا عن رفض لدعم غزة، بل عن رفض لأن يطلب منهم، ولو بمكر وخبث تدليسي، أن يفصلوا بين ضميرهم الوطني وضميرهم الإنساني.






