قضايا

مجرد رأي....

إبراهيم حيمي

في كل محطة من محطات الحياة، لا نعبر وحدنا، بل يعبر معنا الناس أيضاً. هناك من يثبت حضوره الصادق، وهناك من يسقط عنه القناع دون أن يشعر. فالمحطات الفاصلة لا تفرز المواقف فحسب، بل تفرز النفوس كذلك. عندما تتغير الظروف، تظهر علامات محيّرة في وجوه البعض؛ فلا تدري أهو خوف عليك، أم خوف منك؟ أهو حرص صادق، أم مكر يختبئ خلف ابتسامة مجاملة؟ فليست كل ابتسامة عنواناً للود، وليست كل كلمة طيبة دليلاً على صفاء النية. ولعل أجمل ما في هذه المحطات أنها تمنحنا فرصة الفرز الهادئ، لا لنحاكم الناس، بل لنعرفهم على حقيقتهم. فمنهم الصادق الذي يزداد قرباً، ومنهم الجاد الذي لا تغيّره الرياح، ومنهم المنافق الذي تكشفه التفاصيل الصغيرة، ومنهم من لا يتقن سوى تبديل الأقنعة بحسب المصالح والاتجاهات. إن معرفة الناس نعمة، لكن ليس لتغيير قناعاتنا أو وجهتنا، وإنما لترتيب أماكنهم في حياتنا. فالقناعات الراسخة لا يصنعها تصفيق المصفقين، ولا تربكها همسات المتربصين، وإنما تزيدها هذه المحطات وضوحاً ويقيناً. فليست كل محطة خسارة، بل قد تكون ربحاً للحقيقة. وما يغادر حياتنا ليس بالضرورة ما كنا نحتاجه، وما يبقى فيها ليس إلا ما يستحق البقاء. فبعض المحطات لا تأتي لتغيّرنا، بل لتكشف لنا من كان يرافقنا صدقاً، ومن كان يرافقنا ظرفاً. أيضاً ليست كل خسارةٍ نقصاً، فبعض الذين يغادرون حياتنا يتركون لنا أثمن هدية: أن نعرف حقيقتهم. وليست كل عزلةٍ وحدة، فحين يسقط الزيف من حولنا، يبقى الصادقون وحدهم كافين لإتمام المشوار مهما كان شاقاً وبه منعطفات متعددة.