قضايا

آن الأوان لننقل العار من قلب الضحية إلى جبين الجاني

غزلان أزندور (حقوقية)
لا يبدأ العنف الجنسي لحظة الاعتداء فقط، ولا ينتهي بانتهاء الفعل. إنه يستمر طويلا داخل اللغة، وفي نظرات المجتمع، وفي الصمت الذي يفرض على الضحية، وفي قدرتنا الغريبة على حماية صورة الجاني أكثر من حماية كرامة من اعتدي عليها.

ففي كثير من الحالات، لا تجد الضحية نفسها أمام عنف فردي ارتكبه شخص ضدها فحسب، بل أمام منظومة كاملة تعيد ترتيب الأدوار بطريقة مقلوبة: يسمح للجاني بأن يتابع حياته، وأن يتزوج وينجب ويعيد بناء صورته الاجتماعية، بينما تطالب الضحية بأن تحمل الجريمة داخلها، وأن تتعامل معها كما لو كانت سرا مخجلا يخصها هي، لا فعلا إجراميا يخص من ارتكبه.

هنا تطرح المسألة إشكالية فلسفية وحقوقية تتجاوز الوقائع الفردية: كيف تحول شرف الأسرة والمجتمع إلى عبء تحمله المرأة وحدها في جسدها؟ وكيف أصبحت قيمة المرأة مرتبطة بعذريتها وبغشاء جسدي، بينما لا تربط قيمة الرجل بقدرته على احترام حرية الآخرين وسلامتهم وكرامتهم؟

أي منطق أخلاقي هذا الذي يجعل الضحية خائفة من انكشاف ما تعرضت له، بينما لا يخاف الجاني من انكشاف ما ارتكبه؟

من كرامة الإنسان إلى «شرف» الجسد

الكرامة في المنظور الحقوقي قيمة أصلية ملازمة للإنسان. لا تمنحها الأسرة، ولا يقررها المجتمع، ولا يثبتها الزواج، ولا تلغيها تجربة عاشها الشخص بإرادته أو فرضت عليه بالعنف.

لكن جزء من البنية الاجتماعية لم يتعامل مع المرأة بوصفها ذاتا حرة مكتملة الحقوق، بل بوصفها حاملة لشرف الجماعة. وداخل هذا التصور، لم يعد جسد المرأة يخصها وحدها، بل أصبح مستودعا رمزيا لسمعة الأسرة والعائلة، ومجالا لرقابة المجتمع ومحاسبته.

تراقب حركتها ولباسها وعلاقاتها، ويطلب منها إثبات «طهارتها»، وتختزل قيمتها أحيانا في عذريتها، وكأن الأخلاق يمكن أن تستقر في غشاء جسدي، أو كأن كرامة الإنسان يمكن قياسها بمعطى بيولوجي لا يحمل في ذاته أي قيمة أخلاقية.

إن ربط قيمة المرأة بغشاء البكارة ليس دفاعا عن الأخلاق، بل اختزال للمرأة في جسدها. وهو اختزال يحرمها من أن تكون إنسانا كاملا، له عقل وإرادة وتجربة وشخصية وحقوق، ويجعل الاعتراف الاجتماعي بها مشروطا بمدى مطابقة جسدها لتوقعات الجماعة.

والأخطر من ذلك أن هذا الربط لا يسقط حتى عندما تكون المرأة أو الطفلة ضحية اعتداء. فبدل أن ينظر إلى ما وقع باعتباره انتهاكا لحريتها وسلامتها الجسدية والنفسية، يتم التعامل معه بوصفه مساسا بـ«شرفها» أو «شرف أسرتها».

وهكذا تنتقل الجريمة، في الوعي الاجتماعي، من فعل ارتكبه الجاني إلى علامة تلصق بجسد الضحية.

الضحية تحمل العار والجاني يحتفظ بالشرف

حين يقال للضحية: «اصمتي حتى لا تفضحي نفسك»، نكون أمام قلب كامل للمعايير الأخلاقية. فالضحية لا تفضح نفسها عندما تتكلم، لأنها لم ترتكب ما يستوجب الفضيحة. الذي تكشفه هو فعل المعتدي وصمت المحيط وفشل آليات الحماية.

ومع ذلك، تحمل الضحية مسؤولية المحافظة على تماسك الأسرة وسمعتها. يطلب منها أن تزن ألمها بموازين المصلحة العائلية، وأن تفكر في مستقبلها وفي فرص الزواج وفي نظرة الناس إليها، بينما لا يطلب من الجاني التفكير في المستقبل الذي حطمه، ولا في الخوف الذي زرعه، ولا في الآثار التي قد ترافق الضحية سنوات طويلة.

تحاصر الضحية بأسئلة لا تحاكم الفعل الإجرامي، بل تحاكمها هي:

لماذا لم تتكلمي؟

لماذا تكلمت الآن؟

لماذا كنت في ذلك المكان؟

لماذا وثقت به؟

لماذا لم تقاومي؟

وكأن المطلوب منها ليس فقط أن تتحمل الاعتداء، بل أن تقدم بعد ذلك ملفا كاملا لإثبات براءتها من جريمة ارتكبها غيرها.

أما الجاني، فقد يجد دائما من يعيد بناء صورته: ربما أخطأ، ربما كان صغيرا، ربما ندم، ربما استقام، ربما لا ينبغي تدمير مستقبله.

وهكذا يصبح مستقبل الجاني أحيانًا أكثر أهمية من حاضر الضحية ومستقبلها. تطلب الرحمة لمن اعتدى، ويطلب الصمت ممن اعتدي عليها.

الصمت ليس فضيلة حين يحمي العنف

يقدم الصمت في مثل هذه القضايا باعتباره حكمة أو سترا أو حفاظا على الأسرة. لكنه في حقيقته قد يتحول إلى أداة لحماية المعتدي وإعادة إنتاج العنف.

الصمت الذي يفرض على الضحية ليس سلاما، بل نقل للصراع من المجال العام إلى داخلها. يطلب منها أن تدفن الجريمة في جسدها وذاكرتها، وأن تتصرف كأن شيئا لم يحدث، حتى لا يضطر المحيط إلى مواجهة الحقيقة.

لكن ما يدفن لا يختفي بالضرورة.

حين لا تجد الضحية مساحة آمنة للكلام، قد يتحول الصمت إلى خوف دائم، وإلى إحساس بالذنب، وفقدان للثقة، وصعوبة في بناء العلاقات وفي التصالح مع الذات. ومع ذلك، يستمر المجتمع في مطالبتها بالصمت، ليس لأن الصمت يعالجها، بل لأنه يعفي الآخرين من مسؤولية مواجهتها ومساندتها.

السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا تكلمت بعد سنوات؟

السؤال هو: لماذا احتاجت إلى كل هذه السنوات حتى تشعر بأن من حقها الكلام؟

لماذا لم تجد، وهي طفلة أو شابة، من يقول لها إن ما وقع ليس ذنبها؟

لماذا خافت من المجتمع أكثر مما خاف الجاني من العدالة؟

إن التأخر في الإفصاح لا يعني غياب الجريمة، بل قد يكشف غياب الأمان. فالطفلة لا تمتلك دائما اللغة لفهم ما تعرضت له، ولا القوة لمواجهة شخص أكبر منها أو أقوى منها أو صاحب سلطة عليها. وقد يكون الجاني قريبا أو شخصا موثوقا أو فردا تعتمد عليه الأسرة، فتجد الضحية نفسها محاصرة بين الخوف وعدم التصديق واحتمال تفكك محيطها.

لذلك لا يكون الصمت دائمًا اختيارا حرا، بل قد يكون استراتيجية للبقاء في مجتمع لا يضمن للضحية الحماية عندما تتكلم.

الجاني يعيد بناء حياته والضحية تبقى سجينة جريمته

تظهر قسوة المنظومة الاجتماعية بوضوح في التفاوت بين المسارين اللذين يسلكهما الجاني والضحية بعد الاعتداء.

قد يواصل الجاني دراسته وعمله وعلاقاته. وقد يتزوج امرأة أخرى ويؤسس أسرة ويصبح أبًا ويحظى بصورة الرجل المحترم. وقد يتحدث أمام الآخرين عن القيم والتربية والشرف، دون أن تمنعه الجريمة التي ارتكبها من الاندماج الاجتماعي.

أما الضحية فقد تبقى عالقة في السؤال نفسه: ماذا سيحدث إن عرف الآخرون؟

قد تخشى الارتباط والزواج، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأن المجتمع أقنعها بأن قيمتها قابلة للفقدان. وقد تخاف من أن تحاكم على ما تعرضت له، وأن تتحول الجريمة من مسؤولية الجاني إلى ماضٍ يلاحقها هي.

هذه المفارقة تكشف أن المجتمع لا يوزع العار وفق المسؤولية، بل وفق النوع الاجتماعي. فالرجل قد يرتكب الاعتداء ثم يعيد بناء حياته، بينما تختزل المرأة في كونها ضحية، وكأن ما وقع لها أصبح هويتها الوحيدة.

إن العدالة لا تتحقق فقط بمعاقبة الجاني، بل أيضا بتحرير الضحية من أن تبقى حاملة دائمة لجريمته. فلا يجوز أن تكون حياة الجاني مفتوحة على بدايات جديدة، بينما تغلق حياة الضحية داخل حدث لم تختره.

العنف الرمزي: حين تشارك اللغة في الجريمة

العنف لا يمارس دائما بالقوة المادية. قد يمارس أيضا بالكلمات وبالتصنيفات وبالأفكار التي تتكرر حتى تبدو طبيعية.

عندما يقال إن المرأة «فقدت شرفها» بسبب اعتداء، فإن اللغة تنسب إليها خسارة أخلاقية لم تتسبب فيها. وعندما يقال إن على الأسرة «سترها»، يصبح وجود الضحية نفسه شيئا ينبغي إخفاؤه. وعندما يطرح سؤال «من سيتزوجها؟»، تتحول قيمة المرأة من إنسانيتها إلى مدى قبول رجل بها.

هذا هو العنف الرمزي: أن تزرع داخل الضحية نظرة المجتمع إليها، فتبدأ هي نفسها في محاكمة ذاتها بمعاييره، وتشعر بالخجل من جريمة ليست جريمتها.

وتكمن خطورته في أنه لا يحتاج دائما إلى أوامر مباشرة. يكفي أن تتعلم الفتاة منذ طفولتها أن جسدها يمثل شرف أسرتها، وأن أي مساس به، حتى لو كان بالقوة، سيعيد تحديد مكانتها داخل المجتمع.

هكذا تصبح الرقابة مزروعة داخل الوعي، ويصبح الصمت نتيجة متوقعة لمنظومة كاملة، لا مجرد قرار فردي.

العذرية ليست معيارًا للأخلاق

إن اختزال الشرف في العذرية يحمل تناقضا أخلاقيا عميقا. فهو يجعل قيمة المرأة مرتبطة بحالة جسدية، ولا يجعل قيمة الرجل مرتبطة بأفعاله تجاه أجساد الآخرين.

فأيهما أولى بأن يكون معيارا للشرف: وجود غشاء في جسد امرأة، أم امتناع إنسان عن انتهاك جسد غيره؟

كيف يمكن لمجتمع أن يعتبر امرأة أقل قيمة بسبب اعتداء تعرضت له، ولا يعتبر رجلا أقل شرفا لأنه اعتدى عليها؟

إن الأخلاق لا توجد في الأعضاء، بل في الأفعال والاختيارات والمسؤولية. والشرف، إذا كان له معنى إنساني، ينبغي أن يرتبط بالصدق والعدل واحترام الغير وعدم استغلال الضعف، لا بمراقبة أجساد النساء.

ليست المرأة وعاء يحمل نقاء الأسرة، وليست العذرية شهادة حسن سيرة، ولا يمكن لغشاء جسدي أن يختصر تاريخ إنسانة أو كرامتها أو قيمتها.

كما أن الاعتداء لا يسلب الضحية كرامتها. ما يسقط هو القناع الأخلاقي للمعتدي. فالذي ينبغي أن يشعر بالعار ليس من انتهكت حريته، بل من اختار أن ينتهك حرية إنسان آخر.

من منطق الملكية إلى منطق الحرية

في عمق ثقافة الشرف يوجد تصور يعامل جسد المرأة كما لو كان ملكية تنتقل من الأسرة إلى الزوج. ولهذا يصبح الخوف الأكبر ليس من الألم الذي لحق بها، بل من أن تصبح غير قابلة للزواج وفق المعايير الاجتماعية السائدة.

لكن المقاربة الحقوقية تقطع مع هذا المنطق. فجسد المرأة لا يعود إلى الأسرة، ولا إلى الزوج، ولا إلى المجتمع، بل إليها هي. وحقها في السلامة الجسدية والنفسية ليس فرعا من سمعة العائلة، بل حق مستقل وأصيل.

الاعتداء الجنسي ليس جريمة ضد ملكية الأسرة، ولا ضد حق زوج مفترض في جسد لم يلتق به بعد. إنه جريمة ضد إرادة الشخص وحريته وكرامته.

وهذا الانتقال من منطق الملكية إلى منطق الحرية يغير طبيعة الأسئلة والحلول.

حين نعتبر الاعتداء مساسا بالشرف، يصبح الحل هو الإخفاء والتستر والصمت.

أما حين نعتبره انتهاكا للحقوق، يصبح الحل هو الحماية والتبليغ والتحقيق والمحاسبة والدعم النفسي والاجتماعي وجبر الضرر.

استعادة الضحية لصوتها ليست فضيحة

الكلام عن العنف ليس تشهيرا بالنفس، بل استعادة للحق في رواية التجربة. والضحية ليست مطالبة بأن تصمت حتى يشعر المجتمع بالراحة، كما أنها ليست مطالبة بالكلام قبل أن تكون مستعدة لذلك.

لها الحق في الكلام، ولها الحق في اختيار التوقيت والطريقة والمساحة التي تشعر فيها بالأمان. وليس من حق أحد أن يجعل اعترافها امتحانا جديدا تقاس فيه مصداقيتها بناء على انفعالاتها أو ذاكرتها أو عدد السنوات التي مرت.

إن شهادة الضحية او الناجية ليست فقط استعادة لصوت فردي، بل قد تكون كشفا لبنية اجتماعية أنتجت الخوف والصمت. وحين تتكلم امرأة بعد سنوات، فهي لا تفتح جرحا أغلقه الزمن، بل تكشف أن الجرح لم يسمح له أصلا بأن يعالج.

وقد يكون الكلام فعل مقاومة ضد محاولة المعتدي والمجتمع اختزالها في الخوف. إنه إعلان بأنها ليست الجريمة التي ارتكبت في حقها، وأن حياتها لا ينبغي أن تبقى محكومة بصمت فرض عليها.

أي عدالة نريد؟

إن مواجهة العنف الجنسي لا يمكن أن تختزل في لحظة تعاطف جماعي مع شهادة امرأة، ثم تنتهي بانتهاء النقاش العمومي. المطلوب هو تفكيك المنظومة التي تجعل الضحية/الناجية تخاف من الكلام، وتجعل الجاني قادرا على مواصلة حياته دون مساءلة اجتماعية وقانونية.

أول ما نحتاج إليه هو إعادة تعريف الجريمة بوصفها انتهاكا للحرية والسلامة الجسدية والنفسية، لا مساسا بعذرية المرأة أو سمعة الأسرة.

كما ينبغي القطع مع كل خطاب يربط قيمة المرأة بغشاء البكارة أو يجعل الزواج أداة لاستعادة ما يسمى بالشرف. فالزواج ليس علاجا للعنف، ولا وسيلة لمحو الجريمة، ولا يجوز أن يتحول إلى ترتيب اجتماعي يفرض على الضحية لحماية الأسرة أو إنقاذ الجاني.

ويجب توفير مسارات آمنة وسرية للتبليغ، تسمح للأطفال والنساء بالوصول إلى جهات مؤهلة دون خوف من التشهير أو الانتقام أو الضغط العائلي.

كما لا يمكن الحديث عن العدالة دون ضمان الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا والناجيات. فالعدالة ليست حكمًا قضائيًا فقط، بل هي أيضًا قدرة الشخص على استعادة حياته وقراره وثقته بنفسه.

وتتحمل مؤسسات العدالة والأمن والصحة والتعليم مسؤولية أساسية في عدم إعادة إنتاج العنف من خلال التشكيك أو اللوم أو الأسئلة المهينة. كما يتحمل الإعلام مسؤولية حماية الخصوصية وعدم تحويل شهادات الضحايا إلى فرجة أو مادة للبحث عن الإثارة.

ولا بد من إدماج التربية على السلامة الجسدية والموافقة واحترام الحدود داخل الأسرة والمدرسة. فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن جسده يخصه، وأن من حقه الاعتراض والتبليغ، وأن الشخص الذي يحبه أو يثق به لا يملك حق انتهاك حدوده.

مطالب من أجل نقل العار إلى مكانه الصحيح

نحتاج إلى تحول قانوني وثقافي ومؤسساتي يضع كرامة الضحية في مركز الاستجابة، وذلك من خلال:

• فصل قيمة المرأة وكرامتها عن العذرية والوضع العائلي والقبول الاجتماعي؛

• رفض الممارسات والخطابات التي تجعل غشاء البكارة معيارا للسلوك أو الأخلاق؛

• حماية الضحايا من الضغط الأسري والإجبار على الصمت أو التنازل أو المصالحة؛

• توفير آليات آمنة وسرية وميسرة للتبليغ، خاصة للأطفال والفئات الأكثر هشاشة؛

• ضمان الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني المجاني والمستمر؛

• تكوين العاملين والعاملات في القضاء والأمن والصحة والتعليم والإعلام على المقاربة الحقوقية وعدم لوم الضحايا؛

• احترام حق الضحية في الكلام وفي اختيار توقيته، مع حماية خصوصيتها ومعطياتها الشخصية؛

• مواجهة الخطابات الإعلامية والدينية والاجتماعية التي تبرر العنف أو تختزل المرأة في جسدها؛

• ترسيخ التربية على المساواة والموافقة والحرية الجسدية والاحترام المتبادل؛

• إعادة تعريف الرجولة والشرف انطلاقا من المسؤولية والعدل واحترام حقوق الآخرين، لا من السيطرة على النساء ومراقبة أجسادهن؛

• ضمان عدم إفلات المعتدين من المساءلة، وعدم تقديم مستقبل الجاني باعتباره أكثر استحقاقًا للحماية من حياة الضحية وحقوقها.

نحن بحاجة إلى مراجعة جذرية للمعجم الأخلاقي الذي يحكم نظرتنا إلى العنف الجنسي.

العار ليس في جسد امرأة تعرضت للاعتداء.

العار ليس في عذريتها أو في غشاء جسدي لا يحمل أي قيمة أخلاقية.

العار ليس في كلامها، ولا في صمتها، ولا في الوقت الذي اختارته لتستعيد صوتها.

العار في فعل المعتدي.

العار في من عرف وصمت.

العار في من طلب من الضحية أن تحمي سمعة الأسرة، ولم يطلب من الأسرة أن تحمي كرامتها.

العار في مجتمع يسمح للجاني بأن يتزوج ويعيد بناء حياته ويظهر في صورة الرجل المحترم، بينما يترك الضحية سجينة الخوف والوصم.

إن المجتمع العادل لا يسأل المرأة عما بقي من عذريتها، بل يسأل الجاني عن الحق الذي اعتقد أنه يملكه في جسدها. ولا يقيس شرف الأسرة بصمت بناتها، بل بقدرتها على حمايتهن والوقوف إلى جانبهن عندما يتعرضن للعنف.

قيمة المرأة لا توجد في غشاء، ولا يمنحها إياها رجل، ولا تسقط باعتداء ارتكبه غيرها. قيمتها نابعة من إنسانيتها، وكرامتها حق لا يقبل المصادرة.

لقد آن الأوان لتحرير مفهوم الشرف من جسد المرأة، وربطه حيث ينبغي أن يكون: بالفعل الأخلاقي، وتحمل المسؤولية، واحترام حرية الإنسان وكرامته.

وآن الأوان لننقل العار إلى مكانه الصحيح:

من قلب الضحية إلى جبين الجاني.