مجتمع وحوداث

أفق معركة السحب.. ماذا لو تمت المصادقة على قانون المحاماة؟

خالد عدلي (محام بهيئة مكناس)
بعد أن استقر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب على تبنّي مطلب القواعد المهنية بجعل مشروع قانون المهنة سقفاً لمعركتهم النضالية، لا بدّ من طرح السؤال الجوهري عن أفق هذه المعركة في الأنفاس الأخيرة من المسار التشريعي؛ فما هي شروط إنجاح هذه المعركة؟ وما هي القراءة التي يجب أن تؤطّر تدبير هذه المعركة الاستثنائية؟

يتطلّب الجواب على هذه الأسئلة مقاربةً منهجيةً وفق التصور التالي:

1. الإطار القانوني والحقوقي: "العصيان المدني المهني"

من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد في النص التشريعي الوضعي ما يسمح للمواطن أو المهني برفض تطبيق القانون بعد صدوره في الجريدة الرسمية، إذ يصبح ملزماً ومقترناً بآليات الزجر أو بالعقوبات التأديبية، ناهيك عن تداعيات وضعية المواجهة الصريحة مع أجهزة الدولة.

لكن من الناحية الفلسفية والحقوقية، فإن رفض المحامين تطبيق مقتضيات تمسّ جوهر مهنتهم يصنّف ضمن أدبيات "العصيان المدني المهني الواعي"، ويستند هذا الموقف إلى المبادئ التالية:

• سموّ المبادئ الدولية: الدستور المغربي نفسه يقرّ في ديباجته بسموّ الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على التشريعات الوطنية. وبالتّالي، فإن المقتضيات التي تصطدم صراحةً مع "مبادئ هافانا" باعتبارها جزءاً من العرف الدولي لحقوق الإنسان، تُعدُّ مقتضياتٍ غير شرعية وإن كانت قانونية.

• استقلالية المحاماة: المحاماة شريك في تحقيق العدالة؛ فإذا جُرد المحامي من حصانته واستقلاليته مهنته، فإنه يفقد علة وجوده ويتحوّل إلى غطاء شكلي لمحاكمات غير عادلة. هنا يصبح الرفض واجباً أخلاقياً لحماية المتقاضين أنفسهم، وليس مجرد دفاع عن مصالح فئوية.

1. آليات الرفض العملي والتنفيذي

بتحقّق إجماع الجسم المهني على الرفض، فإن الرفض لا يأخذ شكل فوضى، بل يتم تنظيمه ذاتياً عبر مؤسسات المهنة من خلال خطوات عملية:

• مقاطعة الإجراءات التشريعية المستحدثة: رفض العمل بالمقتضيات الجديدة التي تفرض التبعية للسلطة الحكومية، والاستمرار في التمسك بالأعراف والمبادئ المهنية المستقلة.

• تعليق الممارسة المهنية (الإضراب المفتوح): وهي آلية لشلّ المرفق القضائي لإثبات أن العدالة لا يمكن أن تستقيم بمحاماة ممسوخة.

• الامتناع الجماعي عن المؤازرة: في المساطر التي تمسّ بالحصانة، مما يضع القضاء أمام مأزق بطلان المحاكمات بسبب غياب الدفاع، خاصة في القضايا الجنائية التي يشترط فيها القانون حضور المحامي.

2. تحليل الموقف تكتيكياً واستراتيجياً

يحمل هذا الخيار تداعيات بالغة الأهمية على موازين القوى:

• نقاط القوة في الموقف:

• أزمة مؤسساتية للدولة: غياب المحامين أو رفضهم الجماعي لتطبيق القانون يشلّ مرفق القضاء تماماً، مما يضرّ بالاستثمار وحقوق المتقاضين والالتزامات الدولية للدولة، الشيء الذي قد يجبر السلطة السياسية على البحث عن مخرج.

• تحصين الهوية التاريخية: هذا الموقف يَحول دون تطبيع القواعد المهنية مع القوانين التحكمية، ويحافظ على جذوة المقاومة لدى المحامين وخاصة الأجيال الصاعدة.

• المخاطر والتحديات:

• المتابعات التأديبية والجنائية:

قد تلجأ السلطة التنفيذية إلى استعمال أجهزة الدولة لتفعيل المتابعات بتهم على المقاس ومحاولة كسر الإضراب عبر التهديد بالعزل والتشطيب وغير ذلك من أدوات الإكراه.

• رهان الزمن والنّفَس الطويل:

قد تعمد السلطة إلى المراهنة على ظهوى أي شرخ في وحدة الصف المهني أو تراجع بعض الفئات، بسبب ضغوط مالية أو مصالح ذاتية ضيقة، مما قد يؤدي إلى انكسار المعركة واستفراد السلطة بالرافضين.

خلاصة استشرافية:

رفض تطبيق قانون جائر يمسّ بالثوابت الكونية للمحاماة هو خيار الضرورة القصوى المفروض على المحامين بالمغرب بإرادة حكومية مبيتة، وهو خيار لا يتم اللجوء إليه في التفاصيل التكتيكية، بل عند المساس بالوجود وبهوية المحاماة ومبادئها الأساسية التي لا يمكن ممارسة رسالة الدفاع بدونها.

إنه موقف مشروع من منظور فلسفة القانون وحقوق الإنسان، لكنه يتطلّب تعبئةً استثنائيةً ووحدةً صمّاءً وثباتاً لا يتزعزع على الموقف، وتحمل كلفة نضالية باهظة، وبالخصوص تخطيطاً نضالياً محكماً، وذلك من أجل حمل الحكومة على التعقل والتراجع وتصحيح انزلاقاتها الخطيرة التي تَسيء بالأساس إلى مقوّمات دولة الحقّ والقانون قبل أن تَسيء إلى المحاماة.

وكذلك وجب التنبيه إلى أن هذه المعركة لا تخصّ المحامين فقط، بل تهمّ كل فئات المجتمع وقواه الحيّة، والتي لا ينبغي أن تقف موقف المتفرّج. فلو كان دافع المحامين لتبنّي هذا الموقف الاستثنائي دافعاً مصلحياً مادياً وفئاوياً لما كانوا مستعدين لتحمّل تكلفته النضالية الباهظة، إذ لا يمكن لعاقل أن يتصوّر أن المحامين في حال تمّ تمرير هذا القانون سيتأثّر الجانب المادي من عملهم! المؤكّد أنهم قادرون على الاستمرار في العمل وتحصيل أتعابهم، كيفما كان مستواها، بغضّ النظر عن طبيعة المقتضيات الماصة باستقلالية مهنتهم وحصانة الدفاع، لكن الثمن سيكون التطبيع مع نموذج المحامي "الكمبارس" الذي يساهم في تأثيث مشهد مسرحي لعدالة شكلية. وبالتالي، فالمحامون اليوم، بغضّ النظر عن مكامن النقص والاختلالات التي يعانون منها والتي لا أحد ينكرها، والنُّزَهاء منهم أول من يطالب ويسعى إلى تصحيحها، يسجلون للتاريخ أنهم اختاروا عدم خيانة رسالة الدفاع، وهم عملياً يدفعون تكلفة كبيرة من حيث تحمّل شراسة معركة نضالية استثنائية، ناهيك عن ثمن باهظ من أرزاقهم وأرزاق أسرهم. إذ لا يجب أن يغيب عن بالنا أن فئة عريضة منهم تعاني مادياً وتَتأثّر وضعيتها الاجتماعية والاقتصادية بسياسات التفقير الممنهجة التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة، والتي أدت إلى "بلترة" كثير من الفئات السوسيو-مهنية التي يفترض أن تشكّل عماد "الطبقة الوسطى".

ولذلك وجب على كل القوى الضمائر الحيّة أن تكون سنداً للمحامين في هذه المعركة حفاظاً على خط الممانعة الأخير، لعلّ العقلاء في البلد ينتبهون لخطورة المسار الذي تدفع إليه الحكومة التي تَسيطر عليها حسابات انتخابوية وسياسيّة ضيقة، علاوة على هلاوس سمعية–بصرية انتقامية لوزيرٍ تعميه عن امتلاك بصيرة رجل الدولة والرؤية الاستراتيجية لمصالح البلاد.