فالنجاح في تدبير المرافق والبرامج العمومية لا يقاس ببلاغة الخطاب، وإنما بمؤشرات دقيقة معلنة، وقابلة للقياس والمقارنة. وعندما يغيب الحديث عن هذه المؤشرات، يتحول وصف "النجاح" إلى حكم انطباعي أكثر منه نتيجة موضوعية.
فهل سيقاس نجاح موسم 2026 بعدد الأطفال المستفيدين؟ أم بنسبة ملء المراكز التخييمية؟ أم بجودة البرامج التربوية المنجزة؟ أم بنسبة رضا الأسر؟ أم بانخفاض عدد الحوادث؟ أم بمستوى تأهيل المؤطرين؟ أم بنسبة احترام المشاريع البيداغوجية؟... لا نجد جوابا واضحا عن أي من هذه الأسئلة.
نحن في حاجة إلى الانتقال من ثقافة الإعلان عن النجاح إلى ثقافة إثبات النجاح. وهذا الانتقال يقتضي تحديد مؤشرات قبل انطلاق الموسم، ثم نشر نتائجها بعد انتهائه. فحين تعلن الجهة المنظمة، أنها تستهدف تكوين عدد معين من المؤطرين، أو تحقيق نسبة محددة من رضا الأسر والاطفال والجمعيات الشريكة، أو خفض الحوادث مقارنة بالموسم السابق، أو تحقيق العدالة المجالية أو إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة، يصبح بالإمكان تقييم الأداء بموضوعية ومحاسبة المسؤولين، واستخلاص الدروس للمواسم اللاحقة.
كما أن اعتماد مؤشرات واضحة يسمح بمقارنة أداء المراكز والجمعيات، ورصد نقاط القوة والاختلال، وتوجيه الموارد نحو المجالات التي تحتاج إلى تحسين، بدل الاكتفاء بانطباعات عامة يصعب البناء عليها.
لقد تجاوزت السياسات العمومية الحديثة مرحلة الاكتفاء بتعداد المستفيدين، لأن العدد وحده لا يعكس جودة الخدمة. فقد يستفيد آلاف الأطفال من المخيمات، بينما تبقى البرامج التربوية محدودة الأثر، أو تكون ظروف الإقامة دون المستوى، أو يغيب التكوين الكافي للمؤطرين. والعكس صحيح، فقد يكون عدد المستفيدين أقل ولكن جودة التجربة التربوية أعلى وأثرها أعمق.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في تنظيم موسم تخييمي يمر بسلام، بقدر ما يتمثل في بناء منظومة قادرة على التعلم من نفسها. وهذا لن يتحقق إلا إذا أصبح التقييم العلمي والواقعي (وليس الشكلي) جزءا أصيلا من تدبير القطاع، يعتمد على مؤشرات معلنة وتقارير دورية وقراءة علمية للنتائج، بدل الاكتفاء بخطابات الاحتفاء في بداية الموسم وعبارات التهنئة عند نهايته.
فإذا كنا نريد أن نجعل من التخييم مدرسة للتربية والمواطنة، فمن الطبيعي أن يصبح هو نفسه نموذجا في الحكامة الجيدة، حيث تقاس الإنجازات بالأرقام، وتناقش النتائج بشفافية وتبنى القرارات على الأدلة لا على الانطباعات.
فالحديث عن "موسم متميز" يظل وعدا وتطلعا مشروعا، لكن قيمته الحقيقية تبدأ عندما يرفق بسؤال واحد: ما هي المؤشرات التي ستثبت، بالأرقام والوقائع، أن هذا التميز قد تحقق بالفعل؟






