قضايا

الفنجان السياسي... سيناريوهات الخريف

عبد العزيز بن صالح

في الثقافة الشعبية، يُقال إن قارئة الفنجان تستطيع أن ترى ما تخبئه الأيام بين خطوط البن. أما في السياسة، فلا أحد يملك فنجانا سحريا يكشف المستقبل، لكن قراءة المؤشرات وربط الوقائع وفهم ديناميات الفاعلين تسمح برسم سيناريوهات أقرب إلى الاحتمال منها إلى النبوءة.

ومع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي في خريف 2026 بدأت ملامح "الفنجان السياسي" المغربي تتشكل تدريجياً. غير أن ما يظهر في قاع هذا الفنجان ليس صراعا إيديولوجيا كما كان الأمر في مراحل سابقة بل تنافسا حول من يملك القدرة على تدبير مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات اجتماعية واقتصادية كبرى مع أوراش استراتيجية بحجم التحضير لمونديال 2030، واستكمال مشاريع البنية التحتية ومواصلة تثبيت المكاسب الدبلوماسية للمملكة.

لهذا، تبدو البراغماتية أكثر حضورا من الشعارات والفعالية التدبيرية أكثر وزنا من الخطابات الإيديولوجية، فيما يظل "الأعيان" والامتداد الترابي للأحزاب عاملا حاسما في رسم الخريطة البرلمانية المقبلة.

السيناريو الأول هو سيناريو الاستمرارية مع التجديد. ويقوم على احتفاظ التحالف الحكومي الحالي بعموده الفقري، مع إدخال تعديلات في تركيبته أو في توزيع الحقائب والوجوه السياسية. ويستند هذا الاحتمال إلى منطق بسيط: الدولة توجد في قلب أوراش استراتيجية لا تحتمل فترة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات، والاستقرار الحكومي قد يكون أقل كلفة من المغامرة السياسية.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من تحديات. فالحكومة الحالية تواجه حصيلة اجتماعية ثقيلة في نظر جزء من الرأي العام، بسبب استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، وهو ما قد يدفع الناخب إلى ممارسة نوع من التصويت العقابي حتى وإن ظل مقتنعا بضرورة الاستقرار.

أما السيناريو الثاني، وهو الذي يبدو أكثر إثارة للاهتمام، فيقوم على إعادة هندسة الأغلبية دون المساس بجوهرها. أي الإبقاء على الحزب المتصدر أو أحد مكونات الأغلبية الحالية مع تعويض بعض الشركاء بفاعلين سياسيين آخرين يمنحون الحكومة نفسا اجتماعيا وتواصليا مختلفا.

في هذا السياق، قد تجد بعض الأحزاب ذات الامتداد التاريخي أو القروي فرصة للعودة إلى دائرة القرار، ليس باعتبارها بديلا عن النموذج الاقتصادي الحالي، وإنما باعتبارها قادرة على تخفيف الاحتقان الاجتماعي وإضفاء توازن سياسي جديد على الأغلبية المقبلة. إنه سيناريو "التجديد دون القطيعة" وهو تقليد مألوف في الحياة السياسية المغربية.

أما السيناريو الثالث، فيرتبط بإمكانية عودة المعارضة إلى قلب المشهد، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، مستفيدا من النقاشات المجتمعية والملفات الاجتماعية التي أعادت جزءا من الحيوية إلى خطابه السياسي. غير أن هذه العودة، إن حدثت، لا تعني بالضرورة العودة إلى قيادة الحكومة بقدر ما قد تعني استعادة موقع المعارضة المؤثرة، القادرة على فرض إيقاع سياسي أكثر حرارة داخل البرلمان وخارجه.

فالمنظومة الانتخابية المغربية، كما تشكلت خلال السنوات الأخيرة، تجعل من الصعب على أي حزب أن يهيمن منفردا على المشهد وهو ما يدفع في الغالب نحو حكومات ائتلافية تفرض التوافق أكثر مما تسمح بالغلبة.

غير أن الفنجان يخفي احتمالا رابعا لا يقل أهمية، وهو أن تكون المفاجأة في داخل الأحزاب نفسها لا بينها. فقد تعيد الانتخابات ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية المقبلة فيتراجع وزن حزب ويتقدم آخر، مع تعزيز حضور الكفاءات التكنوقراطية في القطاعات المرتبطة بالأوراش الكبرى، لتتشكل حكومة جديدة بوجوه مختلفة، لكنها تسير على الخط الاستراتيجي نفسه.

في النهاية، يبقى الفنجان السياسي مجرد مرآة للمؤشرات لا كتابا للمستقبل. فالانتخابات المغربية كثيرا ما تحتفظ بمساحة للمفاجأة، سواء في نسب المشاركة أو في الخريطة التي تفرزها الصناديق أو في طبيعة التحالفات التي تتشكل بعدها.

لكن إذا كان من المبكر الجزم بمن سيقود الحكومة المقبلة، فإن المؤكد أن خريف 2026 لن يكون مجرد موعد انتخابي عادي بل محطة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية استعدادا لمرحلة تعتبر من أكثر مراحل المغرب حساسية وطموحا.

ويبقى السؤال معلقا إلى أن تفتح صناديق الاقتراع: هل سيمنح الناخب ثقته للاستمرارية مع التجديد؟ أم يفضل إعادة خلط الأوراق؟ أم أن الفنجان السياسي المغربي كعادته سيخفي مفاجأة لا يراها أحد إلا بعد أن تبرد القهوة؟