منذ أن تقرر إحالة قضية أشرف حكيمي على المحكمة الجنائية في فرنسا، لم يعد النقاش يدور فقط حول وقائع الملف أو مآلاته القانونية، بل تحول لدى البعض إلى محاكمة للقضاء الفرنسي نفسه. فبمجرد صدور قرار الإحالة، خرجت أصوات تتحدث عن استهداف وعن مؤامرة وعن حسابات خفية، وكأن مجرد مثول شخص مشهور أمام القضاء أصبح في حد ذاته دليلا على وجود ظلم.
والحقيقة أن ما يثير الاستغراب ليس وجود آراء مختلفة حول القضية، فهذا أمر طبيعي ومشروع، وإنما أن بعض الذين كانوا بالأمس القريب من أشد المدافعين عن استقلال القضاء وعن مبدأ المساواة أمام القانون، أصبحوا اليوم يرفضون أبسط قواعد المحاكمة العادلة فقط لأن الأمر يتعلق بلاعب يحظى بشعبية كبيرة وتعاطف واسع.
لقد تابعت هذه القضية منذ بدايتها، وحرصت على قراءة ما أمكن من المعطيات المرتبطة بها بعيدا عن الضجيج الإعلامي. ومن خلال هذه المتابعة، لم أجد ما يبرر كل هذا التشكيك في مؤسسة قضائية لها من التقاليد والضمانات ما يجعلها من بين أكثر المؤسسات القضائية احتراما في أوروبا. فهناك مشتكية تقدمت بادعاءات، وهناك مشتكى به ينكر تلك الادعاءات، وهناك قضاة تحقيق قاموا بالإجراءات التي يفرضها القانون، ثم انتهى الأمر بإحالة الملف على المحكمة المختصة للفصل فيه. هذه هي الوقائع القانونية المجردة، وما عدا ذلك يبقى مجرد آراء أو انطباعات أو مواقف عاطفية.
ولعل المشكلة الكبرى في النقاش الدائر اليوم هي الخلط بين الإحالة على المحكمة وبين الإدانة. فكثيرون يتصرفون وكأن قرار الإحالة حكم نهائي، والحال أن الأمر ليس كذلك إطلاقا. فالإحالة لا تعني أن أشرف حكيمي مذنب، كما أنها لا تعني أنه بريء. إنها ببساطة تعني أن القضاء رأى أن الملف يستوجب مناقشة قضائية أمام هيئة الحكم، حيث سيعرض كل طرف حججه وأدلته، وحيث ستقول المحكمة كلمتها في النهاية.
وفي المغرب نقول في أحد أمثالنا الشعبية: “اللِّي يزرب كَيطيح فالغلط.” ومعناه أن التسرع يقود في الغالب إلى الخطأ. وهذا بالضبط ما يحدث في كثير من التعليقات المتداولة حول القضية. فهناك من استعجل الإدانة قبل أن تبدأ المحاكمة، وهناك من استعجل البراءة قبل أن تنطق المحكمة بحكمها. وفي الحالتين معا يتم القفز فوق القانون وفوق الدور الطبيعي للقضاء.
شخصيا، لا أرى أي منطق قانوني في أن يعتبر البعض إنكار المتهم دليلا كافيا على البراءة، ثم يعتبر في الوقت نفسه أن لجوء المشتكية إلى القضاء لا قيمة له. فإذا كنا نؤمن بدولة القانون، فعلينا أن نقبل بأن القضاء هو الجهة الوحيدة المخول لها الفصل بين الروايات المتعارضة، لا مواقع التواصل الاجتماعي ولا حملات المناصرة ولا الانفعالات الجماهيرية.
والأكثر غرابة أن بعض المنتقدين يتحدثون وكأن القضاء الفرنسي يستهدف المشاهير أو الشخصيات الناجحة، بينما التاريخ القضائي الفرنسي يقدم صورة مختلفة تماما. فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خضع لمحاكمات وإجراءات قضائية معروفة، كما مثل أمام القضاء وزراء ومسؤولون كبار ورجال أعمال نافذون وشخصيات إعلامية بارزة. ولم يكن أحد منهم محصنا بسبب منصبه أو شهرته أو نفوذه.
ولهذا فإن من يعرف طبيعة النظام القضائي الفرنسي يدرك أن تحريك الدعوى أو إحالة الملف على المحكمة لا يرتبط باسم الشخص أو جنسيته أو شهرته، وإنما بوجود وقائع رأت السلطات المختصة أنها تستوجب النظر القضائي. وهذه نقطة جوهرية يغفلها كثير ممن يفضلون التفسير العاطفي على التحليل القانوني.
إن القانون الفرنسي، كما هو شأن أغلب الأنظمة القانونية الديمقراطية، يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن:
Toute personne est présumée innocente jusqu’à ce que sa culpabilité soit légalement établie.
أي: “كل شخص يفترض فيه البراءة إلى أن تثبت إدانته وفقا للقانون.”
لكن البعض يتوقف عند الشطر الأول من القاعدة وينسى الشطر الثاني. فقرينة البراءة لا تعني منع القضاء من التحقيق أو المحاكمة، بل تعني فقط أن الإدانة لا تقوم إلا بعد محاكمة عادلة واحترام كامل لحقوق الدفاع.
كما أن المبدأ الآخر الذي لا يقل أهمية هو:
Tous les citoyens sont égaux devant la loi.
أي: “جميع المواطنين متساوون أمام القانون.”
وهذا المبدأ يفقد معناه بالكامل إذا بدأنا نطالب باستثناءات كلما تعلق الأمر بشخصية مشهورة أو محبوبة. فالقانون الذي يطبق على المواطن العادي يجب أن يطبق على الرياضي والفنان والسياسي ورجل الأعمال دون تمييز.
لا أدعي معرفة ما ستنتهي إليه هذه القضية، ولا أعتقد أن أحدا خارج المحكمة يستطيع الجزم بذلك. فقد تقتنع المحكمة ببراءة أشرف حكيمي، وقد تقتنع بعكس ذلك، وهذا أمر يعود في النهاية إلى ما سيعرض عليها من أدلة ومعطيات. لكن ما أستطيع الجزم به هو أن احترام القضاء يقتضي انتظار حكمه، لا إصدار الأحكام نيابة عنه.
إن الدفاع عن أشرف حكيمي حق مشروع، كما أن الدفاع عن حق المشتكية في اللجوء إلى القضاء حق مشروع أيضا. أما تحويل الإعجاب بشخص إلى سبب للتشكيك في مؤسسة قضائية كاملة، فذلك ليس دفاعا عن العدالة بقدر ما هو انتصار للعاطفة على القانون.
وفي النهاية، تبقى العدالة أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأسماء، وأسمى من الانفعالات العابرة. ومن كان يؤمن حقا بدولة القانون، فعليه أن يقبل الاحتكام إلى القضاء حتى عندما لا يوافق ذلك ميوله أو رغباته. فالمبادئ لا تختبر عندما تخدمنا، بل عندما تكون نتائجها غير مضمونة بالنسبة إلينا.






