قضايا

"براندينغ" الأمة المغربية

سعيد بنيس

من بين العناصر البارزة للمواطنة الافتراضية "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ" الانخراط الجماعي في آلية "براندينغ" الأمة المغربية من خلال إبراز وتوهج عودة تاريخ النبوغ المغربي على الصحفات والبروفايلات والستاتوهات، واكتشاف حضارة وتاريخ وأركيولوجيا الأمة المغربية من بوابة العالم الافتراضي، خصوصا بواسطة عدد من الكبسولات الديجيتالية مثل L’Code Mghribi ... وكذلك عبر جسر الإنجازات الرياضية التي تتالت منذ 2022، منها على الخصوص إنجاز مونديال قطر، ومونديال الشيلي لأقل من 20 سنة، وبرونزية الألعاب الأولمبية بفرنسا، وكأس أمم إفريقيا تحت 17، وكأس أمم إفريقيا تحت 20 ، وكأس إفريقيا للمحليين، وكأس أمم إفريقيا للسيدات 2024 ، وكأس العرب ، و فوز الفوتسال المغربي كبطل لثلاث مرات متتالية بكأس إفريقيا، و تفوق الفرق النسوية الوطنية لكرة القدم على المستوى الإقليمي والقاري واللائحة طويلة. 

وهذا النبوغ وجد له تجلي افتراضي متفاعل، خصوصا عبر تقاسم وتشارك ونشر الاكتشافات الأركيولوجية الجديدة، مثل اكتشاف جبل إيغود الذي ارتبط بأقدم إنسان عاقل (315.000 سنة)، واكتشافي الدار البيضاء لأقدم عظام بشرية مؤرخة بدقة (773.000 سنة) وأقدم أدوات حجرية متطورة (1.3 مليون سنة) واكتشاف العرائش لأقدم آثار أقدام (90.000 سنة) ... جميع هذه الاكتشافات دفعت الأفراد الديجيداليين إلى بناء سردية جديدة مفادها أن المغرب هو "مهد" الإنسان العاقل. 

مما يدفع إلى تبني فكرة "علم المغربيات " Moroccology)) على قياس " علم المصريات" ( Egyptology ) أو علم الهنديات ( Indology)، وخلق حقل أبحاث جديد يهتم بكل ما هو مغربي من خلال استكشافات علمية متجذرة ترابيا وميدانيا. لأن هذا التجذر الميداني والترابي يفضي حتما إلى إبداع نظري وتجريبي، يؤسس لمدرسة تبنى على الوقائع والظواهر الحضارية والتاريخية والإنسانية ، وتتحقق من خلال سياقها المغربي وتقوي سردية "نْيُوتَمَغْرِبِيتْ". 

تحتضن هذا النسق الجديد المنصات الرقمية بطريقة غير مباشرة عبر برامج ومنتديات وبودكاستات، تريدها إشعاعية ومعرفية وتضامنية واجتماعية من خلال تمثلات جديدة حول التعبير والتشارك وإبداء الرأي. وهو ما ينتج عنه بناء رمزي يشجع على التفاعل والترافع والتفاوض لدى المتلقي، وخاصة المتلقي الشاب لتعدو معه المنظومة القيمية في انسجام تام مع مقولات الانخراط والتشبيك. ولتصير البيئة الافتراضية آلية من آليات الاندماج المجتمعي وليس البتة آلية من آليات الاقصاء الوطني أو الانحراف الفردي. وكذلك تثمينا لرمزية الانتماء بصيغة “نْيُوتَمَغْرِبِيتْ” وهو انتماء تحت طيف مواطنة افتراضية.

من هذه الزاوية، اضطلعت فئات مختلفة من المجتمع الافتراضي المغربي بدور مغاير وجديد إذ انتقلت من دور تناقل الأخبار وتقاسمها والتعارف والتفاعل الافتراضي حول بعض القضايا إلى لعب دور محرك لآلية التعبئة والضغط من خلال تصميم الخطط الرقمية وإبداع الأشكال التسويقية الذكية، وتشارك الوقائع ذات الرمزية السياسية والثقافية والاقتصادية ك"براندينغ مغربي"، والاتفاق على الشعارات الموحدة والخطابات المؤطرة. 

مما أفضى إلى انتعاش ثقافة التحدي الإيجابي التي ترتكز على اقتراح بدائل للسياسات العمومية لتحسين صورة المغرب وتصويب "براندينغ" الأمة المغربية، وذلك من خلال نهج تفاوض ديجيتالي وترافع افتراضي، هدفه استشراف التوجهات السياسية وأجرأة المبادرات الرائدة وتفعيل المخططات التنموية وإيلاء المملكة المغربية مرتبة تنافسية تليق بها على المستوى الإقليمي والإفريقي والعالمي.