لقجع وبنكيران... آخر السياسيين أم أول ما بعد السياسة؟
كلما احتدم النقاش حول فوزي لقجع أو عبد الإله بنكيران، أشعر أن الجميع يتحدث عن كل شيء إلا الموضوع الحقيقي.
يتحدثون عن النفوذ، وعن الاستقطاب، وعن التوازنات، وعن الانتخابات المقبلة، سراب أن السياسة المغربية ما زالت تشتغل بالقواعد نفسها التي عرفناها طوال العقود الماضية،،،لكن ما يثير انتباهي ليس ما يجري داخل المشهد السياسي، بل ما جرى للسياسة نفسها.
لقد اعتدنا النظر إلى لقجع باعتباره ظاهرة صاعدة، وإلى بنكيران باعتباره ظاهرة مستمرة، بينما يغيب عنا أن الظاهرتين معا قد تكونان إعلان نعي لمرحلة سياسية كاملة، ففي النظام الديمقراطي الحي تصنع الأحزاب الرجال،،أما حين تبدأ الأحزاب في التراجع، يبدأ الرجال في صناعة السياسة، وهذا بالضبط ما يحدث أمام أعيننا.
لقجع لا يصعد لأن حزبا قويا يدفعه إلى الواجهة، وبنكيران لا يستمر لأن مؤسسة حزبية استثنائية تحمله على أكتافها.
كلاهما يستمد جزءا مهما من حضوره من المكان الذي أصبحت الأحزاب تتركه فارغا يوما بعد يوم.
ولهذا لا أرى أن الرجلين يقفان على ضفتين مختلفتين بقدر ما أراهما وريثين مشتركين لأزمة واحدة، أحدهما ورث عجز السياسة عن إنتاج الكفاءة المقنعة، والآخر ورث عجزها عن إنتاج المعارضة المقنعة.
وبين العجزين ولدت نجومية سياسية من نوع جديد.
نجومية لا تحتاج كثيرا إلى الأحزاب، ولا إلى المؤتمرات، ولا إلى الأدبيات الفكرية، ولا حتى إلى البرامج التفصيلية.
يكفي أن يقتنع الناس بأن هذا الرجل قادر على الإنجاز، أو أن ذاك الرجل قادر على التعبير عن غضبهم، أما ما تبقى، فيأتي لاحقا.
وربما هنا يكمن الشرخ السياسي الذي اتسع كثيرا في مغرب اليوم.
فبينما يعتقد كثيرون أن المعركة تدور بين نموذجي لقجع وبنكيران، تبدو المعركة الحقيقية وكأنها تدور بين السياسة ومنطق ما بعد السياسة.
بين زمن كانت الأحزاب فيه تصنع النخب، وزمن أصبحت فيه النخب تبحث عن شرعيتها خارج الأحزاب.
بين زمن كانت البرامج تسبق الأشخاص، وزمن أصبحت فيه الشخصيات تحل محل البرامج، ولعل أكثر ما يثير القلق أن الجميع يتصرف وكأن هذا التحول طبيعي،الإعلام يعتبره طبيعيا، و الأحزاب تتعايش معه و والرأي العام يستهلكه يوميا.
لا أحد يريد الاعتراف بأن الحقل السياسي أصبح ينتج الفراغ بالسرعة نفسها التي ينتج بها الجدل، لهذا لا أعتقد أن السؤال المطروح اليوم هو: هل يتم إعداد لقجع لشيء ما؟ وهل تتم محاصرة بنكيران أو توسيع حضوره؟ هذه أسئلة صحفية.
أما السؤال السياسي الحقيقي فهو أكثر لؤما<> متى تحولت السياسة المغربية من منافسة بين المشاريع إلى منافسة بين القابليات الشخصية؟
ومتى توقفنا عن البحث عن الفكرة القادرة على قيادة المجتمع، وبدأنا نبحث عن الرجل القادر على اختصارها؟
عندما أستمع إلى النقاش الدائر اليوم، لا أشعر بأننا نقترب من انتخابات جديدة.
بل أشعر بأننا نقترب من نهاية نموذج سياسي كامل، لم يعد قادرا على إنتاج ما يكفي من السياسة، فبدأ يستهلك رصيده من الرجال.
وحين تصل السياسة إلى مرحلة تستهلك فيها الرجال أكثر مما تنتج الأفكار، فإن المشكلة لا تكون في لقجع ولا في بنكيران.
المشكلة تكون في أن الجميع أصبح يتحدث عنهما، بينما أحدا لا يتحدث عن الفراغ الذي جعلهما ممكنين.
.( القبلة هنا تعني الإتجاه)..






