الوفد الوزاري السنغالي الذي حل ببلادنا من أجل اجتماع الدورة الـ 15 للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية- السنغالية، أعطانا (مسؤولين وشعباً) درساً مجّانيا مُهمّاً بل غاية في الأهمية، وهو ما يمكن أن نعنونه بـ"كيف تحافظ على مصالحك بعيداً عن العاطفة الجياشة البليدة"؟!
كيف ذلك؟
لقد كُنا نمني النفس، نحن كمواطنين مغاربة ومعنا مسؤولونا، في أن يخرج أحد من المسؤولين السنغاليين، عقب الأحداث التي وصفها ملك البلاد في "رسالة الشكر" الموجهة إلى الأمة بـ"التصرفات المشينة"، في نهائي كأس أمم إفريقيا المنظمة ببلادنا مؤخرا، ولكن لم يفعل أي مسؤول، بل فوجئنا بإحباط واستغراب وحتى بصدمة، برئيس اتحاد كرة القدم عندهم، يدلي بتصريحات جديدة مستفزة وممعنة في التشكيك والجحود، في كل ما قدم المغرب من تجهيزات وإمكانيات في التنظيم. بل حتى إنه تحدث عن "تأثير" المغرب على "الكاف" بكثير من الهمز واللمز، في اتهام شبه واضح بـ"فساد" مفترض قد يكون المغرب يمارسه على أعضاء الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (كاف)، وهو ما لم يدل بمثله حتى اتحاد كرة القدم الجزائري -على الأقل إلى حد كتابة هذه السطور- المعروف نظام بلده وإعلامه بمواقفه المتهجمة دوما على المغرب!
واستمرت طيبوبة المغاربة الساذجة، شعبا وحكومة، تترجى "أسفاً" حتى لا نقول "اعتذاراً" متوقعا، على تصرفات السنغاليين الرعناء والخبيثة، في النهائي، إلى أن حل الوفد السنغالي بالديار، وفي سرائر المغاربة شيء من أملٍ بأن "يجاملنا" الأشقاء ويدلوا أمام عدسات الكاميرات بـ"الأسف" المأمول.
وحل الوفد الوزاري الضخم، واستُقبلوا من قبل رئيس حكومتنا، ومن قبل وزرائنا، ومن قبل رئيسي مجلسي البرلمان، ولم يسمع المغاربة المساكين من الضيوف الذين طغت على سحناتهم ملامح الصرامة والغطرسة والعجرفة، ذاك "الأسف" المأسوف عليه. وجاءت كلمة وزيرهم الأول خلال أشغال اللجنة العليا المختلطة للشراكة بيننا وبينهم، وتحدث بواقعية نفتقدها للأسف نحن المغاربة، أو على الأقل إن واقعيتنا تطغى عليها عاطفة جياشة، أمام واقعية "أشقاء" لا يرون في تصرفات جمهورهم/شعبهم وإدارييهم الرياضيين المشينة والساعية إلى تعكير وإفساد تظاهرة رياضية أشاد بها العالم، سوى أنها "مشاعر قوية...وتجاوزات مؤسفة"؛ حيث أكد رئيس وزرائهم أمام رئيس حكومتنا ومسؤولينا العاطفيين مثلنا، أن زيارتهم للمملكة الشريفة الظريفة "تأتي في سياق مشحون بمشاعر رياضية قوية، وببعض التجاوزات المؤسفة، وصور كانت في بعض الأحيان مؤلمة لشعبين تربطهما أواصر عميقة؛ غير أن دلالتها التاريخية تكمن تحديدا في قدرة الدولتين الشقيقتين على عدم ترك الانفعال العاطفي يعلو على العقل ويوجّه المعنى" !!
ماذا يعني هذا؟
يعني صراحةً عكسَ ما اعتقدنا، بأن السياسي عندهم مختلطٌ ومتماهٍ مع الرياضي، وبأن عمق العلاقة التاريخية بينهم وبيننا، لا تجعلهم مثلنا يبالغون ببلادة في التعبير عن الحفاوة والضيافة المبالغ فيها، وأن المسائل الرياضية تجعلُ كبار سياسييهم ينامون في العسل ويطمئنون تماما ولا يحسبون بأن "الشرّ" قد يأتي -رياضيا على الأقل- حتى من "الأشقاء"!!
ولذلك، وبمبرر عدم التدخل في الشأن الرياضي، كما تنص على ذلك لوائح "الفيفا"، وهذا من حقهم، فإنهم لم يعطوا تصرفات اتحادهم الكُروي ولا شغب جمهورهم في الملعب، الأهمية القصوى التي نوليها نحن للآخرين، ولاسيما لـ"الأشقاء"! بل وحتى يزيدوننا من الشّعر (الهجائي) بيتاً، فإن رئيس حكومتهم هذا، أمعن في التعالي، من حيث أراد أو لم يُرد، عندما صرح بأن اجتماع اللجنة المشتركة بين البلدين، كان "مخططا ومبرمجاً له قبل الأحداث الرياضية"، اللا رياضية طبعا كما تابعها الجميع! ما يُكذّب ويحبط في الآن نفسه، تلك النفوس الطيبة الساذجة التي تحدثت عن كون الاجتماع جاء وعُجّل به من أجل "التهدئة"!
وكمُحصّلة لكل هذا، فإن علينا كمغاربة أن نستيقظ من سبات الأخوة المفرط، الذي يجعلنا نبالغ إلى درجة الغباء، في اعتبار هذه "الأخوة" حِصناً ومناعةً لنا ضد أي أذى محتمل قد يصدر حتى من قِبل مَن نعتبره "أخاً"، وأن المصلحة العليا لا تكون ولا ينبغي أن نصل إليها بنثر قصائد غزل ودموع عشق وهيام، وإنما بالندية المجردة من أية عواطف رقيقة وأحاسيس نبيلة ومشاعر مُدغدِغة!
لذلك فما علينا إلا أن نشد على يد رئيس الجامعة الملكية السيد فوزي لقجع بحرارة، عندما فضل الرد على تصرفات الأشقاء بالقانون "المجرد"/القاسح، وبالتهديد بالذهاب إلى أبعد مدى لإنصاف المغرب والمغاربة، بغض النظر عن علاقاتنا التاريخية معهم!
والسلام!






