لا يخسر الحزب الذي قاد الأغلبية موقعه فقط حين يخسر الانتخابات، بل حين يكتشف أنه لم يتدرب يوماً على غير السلطة. فكثير من الأحزاب تدخل الحكم وكأنه حالة دائمة، فتبني تنظيمها وخطابها وعلاقاتها على منطق الموقع، ثم تجد نفسها فجأة في المعارضة بلا بوصلة.
أول ما يظهر هو فراغ الخطاب. فمن اعتاد الدفاع عن القرارات لا يحسن نقدها، ومن تعوّد على لغة «الإنجازات» يتعثر حين يُطلب منه لغة البدائل. والمعارضة ليست مجرد رفض، بل مشروع مضاد وبرنامج واضح وقدرة على الإقناع، وهذه كلها تحتاج إلى إعداد مسبق لم يحصل.
والأخطر أن بعض الأحزاب تعوّدت على المشاركة في الأغلبية أو قيادتها حتى صار ذلك طبيعتها الثانية. فهي تتقن لغة التحالفات وتوزيع المواقع وتدبير التوازنات، لكنها لا تتقن فن المعارضة: المراقبة والمساءلة وبناء البديل وتعبئة الرأي العام من خارج دائرة القرار. وحين تُدفع إلى مقاعد المعارضة، تحاول ممارستها بعقلية الحكم، فتأتي معارضتها مترددة وباهتة، تفتقد الجرأة لأنها لم تتعوّد عليها، والإقناع لأنها كانت بالأمس طرفاً فيما تنتقده.
ثم يأتي فراغ التنظيم. فحين كانت الحقائب توزَّع، كانت الخلافات مؤجلة والولاءات مضمونة. وحين تغيب، يسأل كل عضو: ما الذي أستفيده من البقاء؟ وهنا تبدأ الأحزاب التي بُنيت على المصلحة في فقدان أطرها وكفاءاتها وقواعدها.
ويزيد الأمر سوءاً ظاهرة الترحال السياسي، وهي آفة يكون الحزب أحياناً أول ضحاياها. فالمنتخب الذي التحق بالحزب طمعاً في موقعه وهو في موقع القوة، لا يرى في الانتماء التزاماً بل صفقة، وحين تتبدل موازين القوى يحمل أمتعته ويرحل إلى حيث تبدو السلطة أقرب. وهكذا يفقد الحزب مقاعده وأطره المحلية وشبكاته الانتخابية في لحظة هو أحوج ما يكون فيها إليها، ويكتشف متأخراً أن ولاء من استقطبهم بالموقع لا يتجاوز عمر الموقع. وفي ذلك درس قاسٍ: الحزب الذي يبني قوته على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ بدل تكوين الأطر والمناضلين، يملك أرقاماً كبيرة في زمن القوة، وقواعد هشة في زمن الشدة.
وهناك فراغ المصداقية. فالرأي العام لا ينسى أن المعارض اليوم كان صاحب القرار بالأمس. وأي نقد يوجّهه للحكومة الجديدة سيُقابَل بسؤال بسيط: وأنتم، ماذا فعلتم؟ ولن ينفع هنا الخطاب العاطفي ولا التصريحات النارية، لأن المصداقية تُكتسب بالاعتراف بالأخطاء قبل مهاجمة أخطاء الآخرين.
أما الخطأ الأكبر فهو الإنكار. أن يُفسَّر التراجع بالظرفية أو بالاستهداف أو بسوء الفهم، دون مراجعة حقيقية للحصيلة والقيادة والتنظيم. فالحزب الذي لا يقرأ هزيمته كرسالة سيعيش بقية ولايته في المعارضة يلوم الآخرين، بينما يتآكل من الداخل.
والمفارقة أن المعارضة قد تكون فرصة. فهي تمنح الحزب وقتاً للمراجعة وتجديد النخب وإعادة بناء الهوية بعيداً عن إكراهات التدبير. لكن هذه الفرصة لا تنفع إلا من استعد لها بمؤسسات قوية وقيادة تقبل المحاسبة وتصور واضح لما بعد السلطة.
الخلاصة أن الأحزاب لا تُقاس بقدرتها على الوصول إلى الحكم فقط، بل بقدرتها على مغادرته بكرامة وذكاء. فالسياسة تداول، ومن لم يهيّئ نفسه لهذا التداول سيجد أن الهزيمة ليست في عدد المقاعد، بل في الفراغ الذي كشفه غياب السلطة.






