دخل ملف الصحراء منعطفًا جديدًا عقب تعثر مجلس الأمن، في 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعي القرار المتعلقين بتمديد ولاية المينورسو، بعدما اصطدم المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي، ولم يحظ المشروع الروسي البديل بالأصوات اللازمة لاعتماده ؛ ويضع هذا التطور مستقبل الحضور الأممي أمام وضع مختلف، لكنه يطرح، بالقدر نفسه، سؤال قدرة الفاعلين على تحويل انكسار آلية لتدبير النزاع إلى فرصة لبناء تسوية مستدامة.
وقد عبّر بلاغ الديوان الملكي عن قراءة سياسية لهذا التحول، باعتباره خطوة نحو الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، مع تأكيد استمرار الدينامية الدبلوماسية الثنائية والإقليمية والتشبث بوقف إطلاق النار. وتكشف هذه القراءة إرادة الانتقال من تدبير النزاع ضمن ترتيباته السابقة إلى تغيير محدداته ومسارات معالجته. غير أن إنجاز هذا الانتقال يقتضي وصل المبادرة السياسية بالعمل القانوني والدبلوماسي، وبالاستعداد المؤسسي والحقوقي والاجتماعي لما قد يترتب عنها.
وأول مقتضيات هذا الوصل هو التمييز بين عدم تجديد ولاية بعثة، واتخاذ قرار صريح بإنهائها، وإغلاق الملف الذي ارتبط بإنشائها ، فهذه مستويات مختلفة في موضوعها وآثارها؛ ولا يستقيم استنتاج زوال اختصاص مجلس الأمن أو انتهاء المسألة الأممية بمجرد تعثر التجديد ؛ كما أن انتهاء مدة التفويض لا يجعل تصفية الوجود الميداني إجراءً فوريًا خاليًا من الالتزامات، بل يطرح مسائل الانسحاب المنظم، وسلامة الأفراد والمعدات، وتدبير الوظائف التي كانت البعثة تؤديها. وبذلك يكون إغلاق الملف هدفًا يحتاج إلى استكمال شروطه، ولا يكفي إعلان الرغبة فيه لإنتاج جميع آثاره القانونية.
ويقتضي التحليل نفسه التمييز بين المقتضى الزمني في القرار 2797، الذي مدّد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، وبين توجهاته السياسية التي جعلت المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، مع الاحتفاظ بمرجعية الحل المقبول لدى الأطراف وتقرير المصير ؛ فالقرار لم يحسم التسوية النهائية، وتعثر اعتماد قرار جديد لا يمنح مشروعًا مرفوضًا قوة الإلزام، ولا يحوّل مختلف مقترحاته إلى قواعد نافذة. ومن ثم، يبقى مطلوبًا التمييز بين ما اكتسبه المغرب من دعم لمرجعية الحل، وما يتعين بناؤه من توافقات وضمانات لتنفيذها.
ومن زاوية التفكير التوقعي، يكشف تعثر المجلس أن الخلاف حول الصحراء يتفاعل أيضًا مع تنافس القوى الكبرى على صياغة الحلول وإدارة المؤسسات الدولية ؛ لذلك يصعب اختزال إجراء التصويت في استفتاء على الموقف المغربي وحده ؛ فقد يدعم فاعل استمرار البعثة ويعترض على إعادة تعريف مهامها، وقد يساند آخر الحكم الذاتي ويختلف بشأن طريقة فرض مرجعيته أو إيقاع الانتقال إليه. وتستدعي هذه التركيبة دبلوماسية تميّز دوافع الاعتراض، وتحدد ما يمكن تجاوزه بالتوضيح أو التفاوض، وما يرتبط بحسابات أوسع من النزاع نفسه.
ولهذا، فإن تقليص آليات التدويل القائمة قد يغيّر ساحات النزاع وأدواته، من دون أن يضمن اختفاءه. وقد تسعى الأطراف إلى نقل جانب من المواجهة إلى محافل أخرى أو إلى توسيع استعمال الأدوات القضائية والحقوقية والإعلامية. ويقتضي الاستعداد لهذا الاحتمال تقوية الحجة القانونية، وتحسين الممارسة المؤسسية، وتوسيع القدرة على الإقناع. فكلما تقلص دور وسيط خارجي، ازدادت أهمية الضمانات التي يستطيع الإطار الوطني تقديمها وإثبات فعاليتها.
هنا ينتقل مركز السؤال من مصير البعثة إلى شروط نجاح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، من اختصاصاته وموارده إضافة إلى ضماناته، وعلاقته بالمؤسسات المركزية، وكيفية بناء الموافقة عليه ؛ فتضييق البدائل الدبلوماسية لا يؤدي تلقائيًا إلى اتساع القبول الاجتماعي؛ وقد تتقدم مواقف الدول بينما تستمر مخاوف السكان ؛ ولذلك ينبغي التمييز بين قبول الإطار العام، والاتفاق على تفاصيله، والثقة في المؤسسات التي ستتولى تنفيذه.
وفي المقاربة النسقية، تتفاعل الدبلوماسية مع الذاكرة والعدالة وتوزيع السلطة والثروة وطريقة ممارسة الأمن ؛ فضعف الإنصاف يغذي انعدام الثقة، وانعدام الثقة يحد من المشاركة، وضعف المشاركة يضيق القاعدة الاجتماعية للمؤسسات، فتزداد الحاجة إلى الضبط. وفي الاتجاه المقابل، تستطيع معالجة منصفة لمظلمة، أو ضمانة قضائية موثوقة، أو مشاركة مؤثرة، أن تغيّر انتظارات السكان وعلاقتهم بالمؤسسات، وأن تمنح التسوية سندًا يتجاوز التوافقات الرسمية.
ومن هنا تبرز ضرورة تصفية البيئة الحقوقية من أسباب الاحتقان، عبر معالجة المظالم العالقة، وتوسيع ضمانات التعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، وتقوية سبل التظلم والإنصاف، وإخضاع ادعاءات الانتهاك لبحث جدي ومستقل ؛ وتكتسب هذه التدابير قيمتها حين تصبح ممارسة قابلة للتحقق، يستطيع المواطن الاحتجاج بها أمام الإدارة والقضاء ، فالثقة تتراكم عندما تتطابق الالتزامات المعلنة مع التجربة اليومية للحقوق.
ويستدعي المنعطف الراهن كذلك تجديد الدعوة إلى تنصيب المجلس الأعلى للأمن وتفعيل وظائفه الدستورية؛ فالفصل 54 يجعله هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي وكذلك الأمن الخارجي، وتدبير الأزمات، ومأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. ويوفر هذا الإطار أساسًا لربط تقدير المخاطر بالدبلوماسية والحقوق والتنمية، ولإدماج حماية السكان والوقاية من التصعيد ضمن تصور استراتيجي متكامل.
وتزداد الحاجة إلى هذا التكامل عندما تتغير ترتيبات المراقبة الدولية ؛ فغياب آلية للمراقبة قد يضاعف احتمالات سوء التقدير، ويجعل الحادث المحدود قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع. ولذلك ينبغي أن يقترن التشبث بوقف إطلاق النار بتدابير عملية لمنع التصعيد، وتوثيق الحوادث والتحقق منها، وضمان التواصل عند الأزمات، واستمرار إزالة الألغام وحماية المدنيين ؛ كما ينبغي مراعاة مخاوف دول الجوار، ومنها موريتانيا، ضمن مقاربة تجعل أمن الحدود وحركة الأشخاص والمبادلات جزءًا من استدامة الاستقرار الإقليمي.
أما البناء المؤسسي للحكم الذاتي، فيحتاج إلى التمييز بين ضمانات الدخول إلى التسوية وضمانات استمرارها ؛ تؤمّن الأولى الحماية والمشاركة ووضوح الالتزامات، وتتيح الثانية القضاء والمساءلة وتسوية النزاعات وإمكان التصحيح ؛ فالاختلاف الذي يؤجل عند التأسيس من دون تحديد طريقة معالجته قد يعود لاحقًا في صورة تنازع على السلطة أو الموارد أو تأويل الضمانات.
ويصبح وضوح الاختصاصات شرطًا لبناء الثقة: من يقرر ؟ وفي أي مجالات ؟ وبأي موارد ؟ وتحت أي رقابة ؟ وكيف يُفصل في تنازع الصلاحيات ؟ وتحتاج المؤسسات الذاتية إلى سلطة فعلية وقدرة مالية وإدارية تمكّنها من الوفاء بالتزاماتها، وإلى ضمانات مستقرة تحمي مجال عملها ، مع إجراءات واضحة للمراجعة والتقييم. وتُقاس متانة السيادة، في هذا الأفق، بقدرتها على تنظيم التعدد داخل قواعد مشتركة، وجعل المسؤولية قابلة للتحديد والمساءلة.
وتفترض المشاركة الاعتراف بتنوع المجتمع الصحراوي داخل الإقليم وفي المخيمات والشتات، وتفاوت تجاربه وانتظاراته. فالتمثيل السياسي والتفاوضي له وظيفته، بينما تحتاج صياغة المؤسسات والسياسات إلى الاستماع للنساء والشباب والضحايا والفاعلين المدنيين وأصحاب الخبرة ؛ وتكتسب المشاورات صدقيتها حين تحمي التعبير السلمي المخالف، وتوضح كيف أثرت المقترحات في القرار ؛ لأن القبول يحتاج إلى إمكان الاعتراض، وإلى اطمئنان صاحبه إلى أن اختلافه لا يحرمه من حقوق المواطنة.
ولا تستقر الثقة إذا طُلب من المتضررين تجاوز الماضي قبل الاعتراف بمعاناتهم ؛ فالذاكرة غير المعالجة تستطيع نقل الخوف بين الأجيال، حتى بعد تغير المؤسسات والخطاب ؛ ومن هنا ضرورة مسار يصون الحقيقة والأرشيف، ويتيح الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر والمساءلة وفق ضمانات المحاكمة العادلة، ويفتح إمكان المصالحة من دون فرض الصفح على الضحايا.
وفي هذا المسار، يجد الحق في التوبة معناه في الاعتراف بالمسؤولية والاستعداد لإصلاح آثارها ؛ ولا يمنح صاحبه سلطة محو ذاكرة المتضررين أو إعفاء نفسه من المساءلة. كما يقتضي الإنصاف رفض المسؤولية الجماعية والوصم بسبب الانتماءات أو المواقف السابقة، وتحديد الأفعال والمسؤوليات الفردية حيث تثبت. وتصبح الذاكرة ضمانة للمستقبل حين تنعكس دروسها في عمل القضاء والأمن والإدارة والتعليم، وفي وسائل فعلية لمنع التكرار.
ويتعين، بالتوازي، الإعداد المادي والأدبي لبنيات الاستقبال، حتى تكون العودة الطوعية اختيارًا قابلًا للتحقق بكرامة. فالأمر يتطلب تصورًا للسكن والوثائق والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والعمل، ولمّ شمل الأسر، والمساعدة القانونية، والمواكبة النفسية والاجتماعية. كما يحتاج إلى معالجة أوضاع الملكية والحقوق المتنازع عليها ، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان مشاركة العائدين في الحياة العامة من دون وصم أو تمييز.
أما الإعداد الأدبي، فيقتضي خطابًا وممارسة يصونان كرامة العائد، ويعترفان بتعقيد تجربته وحقه في أن يبدأ حياة آمنة. فلا يجوز أن تتحول العودة إلى امتحان دائم للولاء أو إلى مناسبة للإذلال الرمزي. وتُقاس جودة الاستقبال بقدرة الشخص والأسرة على الاستقرار واستعادة الروابط وبناء المستقبل، مع الاحتفاظ بالحق في التعبير والتظلم والمشاركة.
ويتعين أن يمتد جبر الضرر إلى المستويين الفردي والترابي. فالتعويض الفردي يعالج أضرارًا محددة، بينما تحتاج المجالات المتضررة إلى سياسات تعيد بناء فرص العيش والخدمات وكذلك الروابط الاجتماعية والثقافية ؛ ويكتسب هذا الجبر أثره حين تُحدد أولوياته بمشاركة السكان، وتُعلن موارده ومعايير الاستفادة منه، ويخضع أثره للتقييم. بذلك تتصل المصالحة بالعدالة المجالية، وتتجاوز تسوية الملفات الإدارية إلى إصلاح شروط الحياة المشتركة.
وتندرج التنمية داخل هذا النسق ؛ فالاستثمار يستطيع دعم التسوية وتحسين شروط العيش، لكن أثره السياسي يتوقف على طريقة اتخاذ القرار وتوزيع المنافع ؛ فقد تتوسع البنيات التحتية ويستمر الشعور بالإقصاء إذا احتكرت شبكات محدودة الفرص والصفقات والتمثيل. ولذلك ينبغي أن يصاحب كل مشروع سؤال واضح : من يقرر، ومن يستفيد، ومن يتحمل الكلفة، وكيف يمكن الاعتراض وطلب التصحيح ؟ بهذه الأسئلة تصبح التنمية التزامًا بالإنصاف وقابلة للمساءلة.
ويفرض هذا الأفق تعبئة للمعرفة الوطنية تجمع الدبلوماسية والقانون والعلوم الاجتماعية والاقتصاد والخبرة الأمنية والفاعلين المحليين والمؤسسات الحقوقية ؛ فصانع القرار يحتاج إلى تقدير الآثار المتبادلة لاختياراته، وإلى اختبار سيناريوهات تأخر الاتفاق، أو تعثر التنفيذ، أو احتكار النخب المحلية، أو نشوء خلاف حول الصلاحيات والموارد. ويساعد هذا العمل على بناء مؤسسات قادرة على التعلم والتصحيح قبل تحول الخلاف إلى احتقان.
إن المنعطف الجديد يضع المغرب أمام مسؤولية تحويل قوة المبادرة الدبلوماسية إلى قدرة مؤسسية على إنتاج الثقة. ويقتضي ذلك أن تكون السيادة إطارًا لحماية الحقوق وتنظيم التعدد، والحكم الذاتي ممارسة فعلية للمسؤولية، والمصالحة مسارًا للاعتراف والإنصاف، والأمن ضمانة لطمأنينة الجميع. ويظهر نجاح هذا التحول حين يستطيع السكان استعمال المؤسسات للدفاع عن حقوقهم وتسوية خلافاتهم والتأثير في مستقبلهم؛ فاستدامة التسوية تُقاس بقدرتها على تدبير الاختلاف من دون عودة إلى العنف أو الإقصاء.
وتفرض التحولات الراهنة أجندة وطنية مستعجلة، تتكامل فيها ستة أوراش:
أولًا، تنصيب المجلس الأعلى للأمن وتفعيل وظائفه الدستورية، بما يتيح التشاور الاستراتيجي وتقدير المخاطر وتدبير الأزمات، ويربط حماية الوحدة الترابية بمأسسة الحكامة الأمنية وضمان الحقوق والحريات.
ثانيًا، إعادة تأهيل المؤسسات الوطنية والعمومية ذات الصلة بحقوق الإنسان والعدالة والأمن، بتقوية استقلاليتها وفعاليتها وقدراتها على الإصغاء والوساطة والإنصاف، وتأهيل مواردها البشرية، وترسيخ المساءلة والتنسيق واحترام اختصاصات كل مؤسسة.
ثالثًا، فسح المجال للهيئات السياسية والمدنية لتجسير العلاقات هنا وهناك، داخل الإقليم وفي المخيمات والشتات، عبر مبادرات للحوار والتواصل ولمّ الشمل وبناء الثقة، مع احترام استقلالية الفاعلين وحماية تعدد الآراء. فالعلاقات الإنسانية والاجتماعية تستطيع فتح مسالك للتفاهم تحتاج إليها التسوية وتستند إليها.
رابعًا، التمسك بالسلم الاجتماعي والسلام والأمن، وجعل الوقاية من العنف وحماية المدنيين وتدبير الاختلاف بالوسائل السلمية التزامًا يوجّه السياسات والخطاب العمومي والممارسة الميدانية. ويقتضي ذلك معالجة أسباب الاحتقان، وصون حق الاحتجاج السلمي، وتوسيع الوساطة وسبل التظلم والإنصاف.
خامسًا، جبر الضرر الترابي وصون الذاكرة ورد الاعتبار للذكاء الترابي وتقوية القدرات؛ وذلك بإنصاف المجالات المتضررة، وحفظ أرشيفها وشهادات سكانها، والاعتراف بما راكمته من معارف وخبرات وروابط اجتماعية وثقافية. ويعني تثمين الذكاء الترابي إشراك حامليه في تشخيص الحاجات وصياغة الحلول، وتمكين الفاعلين المحليين من المعرفة والموارد والقدرة على المبادرة والتدبير والتقييم.
سادسًا، دمقرطة العلاقات التعاقدية بين المركز والمحيط، بإرسائها على المشاركة والتفاوض ووضوح الاختصاصات والتوزيع المنصف للموارد وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتكتسب هذه العلاقات مضمونها الديمقراطي حين تشارك المؤسسات الترابية والسكان في تحديد الأولويات، وتتوفر لهم وسائل تتبع الالتزامات وتقييم نتائجها وتسوية الخلافات بشأنها، بما يجعل التعاقد ممارسة متجددة للشراكة والثقة داخل الوحدة الوطنية.






