فن وإعلام

البعد الديني في موسم طانطان.. نسخة أكتوبر 2026

عبد الخالق حسين (رئيس المجلس العلمي لطانطان)
1 - وأنا أتابع فقرات موسم طانطان من على المنصة الشرفية في يوم الإفتتاح ؛ أعجبت بهذا المشهد الذي في الصورة المرفقة مع المقال ؛ و الذي كان مشهدا من مسرحية قصيرة تصور "محضرة" لتعليم القرآن و العلوم الشرعية ؛ و تحاكي اسلوب أجدادنا في التعليم بالصحراء ؛ الذي كان أسلوبا يجمع بين البساطة و الصرامة و الجودة في التلقين، و ربط الدروس بالواقع ، و الجمع بين المعلومة و ممارستها العملية وثمارها الأخلاقية ..

وقد تأثث المشهد بأطفال يحملون ألواحهم الاليكترونية !! عفوا ألواحهم الخشبية .. يلبسون زيا موحدا هو الدراعة الصحراوية ؛ و يجلسون على الأرض ؛ يقرؤون القرآن بصوت منتظم و جماعي ؛ و يتلون آيات بينات تتضمن تيمة "نعمة الماء" ..

كان المدرر / المدرس أو الفقيه يقف أمامهم - بجانب بئر ماء بكل أناقة و انتباه ؛ يستعمل الإشارة و العبارة في التواصل ؛ و يضع حول معصمه سبحة للذكر ؛ دليلا على انتمائه لاحدى الطرق الصوفية و أنه خريج مدرسة تربوية لقن فيها الادب والأخلاق على يد شيخ مأذون - يلقي كلمة أو درسا يبين فيه قيمة نعمة الماء في مجتمع النذرة و شح الأمطار ..


2 - إنني بصفتي رئيسا للمجلس العلمي لطانطان ؛ لأثمن عاليا تضمين فقرات موسم طانطان هذا المشهد الدال و المعبر عن أصالتنا و هويتنا ؛ و الذي يبرز مركزية القرآن الكريم في مواسم الموكار عبر تاريخ الصحراء المغربية .. نعم ؛ لقد كان "موسم طانطان" كغيره من المواسم في كل جهة و اقليم و دوار من مملكتنا الشريفة هو الحج السنوي للقبائل ؛ حج تقضى فيه مآرب عديدة : فهو سوق لعرض التجارة ؛ و هو ملتقى القبائل لصلة الرحم ؛ وهو فضاء العدالة و حل النزاعات ؛ و المتنفس الترفيهي لعرض المهارات المتنوعة ؛ من ركوب الخيل و ركوب الإبل و السباقات بينها و الاستمتاع بعروض التبوريدة ؛ و مختلف الألعاب التي ابتدعها الوجدان الصحراوي للتخفيف من قساوة المناخ و الطبيعة ؛ وقد كان الموسم لحظة البهجة و السعادة بعقد قران فلان من قبيلة كذا بفلانة من القبيلة الفلانية ..

و قد كان الموسم كذلك " مركز استقبال" لمختلف أخبار الصحراء ؛ سواء أخبار الأمن أو الخوف ؛ فمن خلال المواسم كانت تعرف و ترصد و تواجه تحركات و تغلغلات كل عدو أجنبي يطمع في إخضاع أهل الصحراء، أو زرع الفتنة بينهم، أو محاولة قطع أواصرهم مع سلطانهم و إخوانهم في شمال المملكة ..


3- لقد انطلق موسم طانطان سنة 1963 ؛ و كان مركز استقطاب لأهل الصحراء أينما كانوا ؛ على امتداد الصحراء الافريقية ؛ ولازالت والدتي وهي من قبيلة تجكانت؛ تحكي أنها سافرت من الطنطان لحضور موسم تندوف، و كان أهل تندوف وهي مدينة مغربية؛ جل ساكنتها من قبيلة تجكانت؛ بل إن مؤسسها هو محمد المختار بلعمش الجاكاني سنة 1850 ؛ كان أهل تندوف يحضرون موسم الطنطان - و قبح الله الاستعمار و عافى الله من تبلذ حتى أصبح يخدم مخططات الإستعمار في التقسيم و قطع الأرحام - و مما تحكيه والدتي؛ أنها سافرت في آخر مرة إلى أموكار تندوف مع والدها ؛ ضمن القافلة الطويلة ؛ لكنها رجعت قبله الى الطنطان ليفاجأ الجميع باغلاق الحدود بعد ذلك ؛ فبقي جدي الفقيه "سيدي محمد الوالي" هناك بمدينة تندوف إماما ومدررا بمسجد " ارماظين " إلى أن توفاه الله ..

لقد كان الموسم هو منزل الوصال و التجمعات العائلية و صلة الارحام بين قبائل الصحراء...

4 - عادة يسبق افتتاح موسم طانطان بيوم واحد زيارة لضريح العارف بالله سيدي الشيخ محمد لغظف رحمه الله وغالبا ما يكون يوم جمعة؛ وقد زرته ضمن الوفد الرسمي الذي يتقدمه ابن الطنطان والي جهة كلميم وادنون محمد الناجم ابهاي نجل أحد أعيان الصحراء شهامة و كرما و تدينا ؛ و لازال مسجد والده الحاج محمد فاضل ابهاي رحمه الله شاهد على ذكرى رجل وهب بيته لتكون مسجدا يجمع الناس على ذكر الله و الصلاة على سيدنا رسول الله و الدعاء للسلطان ؛ وكان ضمن الوفد عامل إقليم الطنطان الاستاذ عبد الله الشاطر ؛ و رئيس مؤسسة موسم طانطان محمد فاضل بنيعيش؛ ورئيسة الجهة امباركة بوعيدة؛ و عدد من الأعيان و مريدو و حفدة الشيخ ماء العينين و الشيخ محمد لغظف رحمهما الله؛

وبعد قراءة سورة ياسين ؛ رفعت الدعاء بالترحم على أهل المقام الطاهر و بالدعاء لمولانا أمير المؤمنين ؛


5- ثم توجهنا رأسا لنشهد المشهد الرائع - المفعم بالدلالات الروحية - وهو نحر الناقة و التصدق بلحمها ؛ ويبدو أن تشويشا منظما يثار حول هذه اللحظة ..

و أحب أن أقدم شهادي الذي عشتها ؛ فمنذ طفولتي وأنا أشهد هذا المشهد ؛ هناك في أرض منبسطة بعيدة عن الضريح تدبح الشاة او الخروف أو تنحر الناقة ؛ و يتصدق بذلك اللحم عل الأسر الفقيرة ؛ و الحمد لله ما اعتقدنا يوما أننا نذبح من أجل أحد اشراكا بالله ؛ فعند الذبح ترتفع الأصوات : " اللهم منك و إليك " ؛ ثم نتوجه إلى القاعة حيث ترتفع أصوات القراء بتلاوة القرآن و مديح سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ و الإستماع إلى الدرس الديني ..

إن في ربط المواسم بذكرى الصلاح و الولاية ؛ مضامين حضارية وثقافية عميقة ؛ منها : 

أولا : ربط الموسم ؛ الذي هو توليفة من التجارة و التعليم و اللهو ؛ بشخصية علمية ربانية؛ عليها إجماع من الناس في حسن الخلق و صلابة الدين، و المشاركة الاجتماعية، و الانخراط في الجهاد و الدفاع عن أرض الصحراء..

ثانيا : وعي أجدادنا المتقدم ؛ و الذي يدرس اليوم في معاهد وكليات التجارة ؛ أن السر في الرواج التجاري هو ربطه بفكرة مجردة و ليس بسلعة متغيرة ؛ و قد فطن أجدادنا إلى أن استمرارية التجمع الموسمي للقبائل ، بما يهدده من خلافات قد تصل الى الحروب وسفك الدماء، لن ينجح الا بربط الموسم بفكرة الصلاح و التقوى و روحانية الولي ..


6 - غير أن عاديات الثقافة الغربية المادية ؛ و غارات الثقافة الدينية المغشوشة و المتطرفة ؛ قد شككت أجيالا من أبنائنا ممن لم ترسخ قدمه في العلم الشرعي المبني عل النظر إلى المقاصد و المآلات وروح الدين و الشريعة ؛ فجعلتهم ينظرون إلى عبقرية و إبداعات الأجداد التي ساهمت في جمع الكلمة، و حماية الجماعة، و استمرارية الممارسة الدينية المبنية على العرف و الفطرة ؛ على أنها بدع مستنكرة !!..

وأعتقد أن من أدوار المجلس العلمي اليوم أن يساهم في اتاحة المعرفة الشرعية النافعة؛ و الكاشفة عن مساهمة المواسم الدينية في تقوية الجماعة بحفظ التضامن القبلي، و نشر العلمي الشرعي، و استمرارية اقامة الشعائر الدينية، و تجديد أسلوب النظر إلى تقاليدنا و موروثاتنا الاجتماعية ؛ مع استحضار النقد الذاتي الإيجابي؛ و عدم التعاطف مع أي فكرة أو تقليد ميت أو قاتل ؛ قد يسهم في إعطاب توابثنا الدينية و الوطنية ..

لهذا فدور علماء المجلس العلمي هو حراسة الدين نظرا و ممارسة ؛ من خلال التثمين للحسنات، و التنبيه عن السيئات، ضمن نظرة اندماجية للشأن الديني تعتبر التدين طريقا للحياة الطيبة ؛ وتساهم في إحياء "الفرحة و البهجة العمومية" ؛ و التي أعتقد أن موسم طانطان بخطاه التابثة يساهم في تعميمها و جعلها روحا ثقافية و حضارية تسري في ثنايا الحياة الإجتماعية الصحراوية ..


7 - وفي الختام ؛ لقد نجح موسم طانطان في إحياء الذاكرة الوطنية وربط جيل الحاضر و الأبناء بأواصر جيل الماضي و الأجداد ..

بيد أنه لابد من يقظة البصيرة ؛ فبين "ضريح الولي" الصالح حيث تنفق الصدقات ظاهرة و باطنة ؛ و بين "المحضرة" حيث يدرس كلام الله الثقيل ؛ ينضمر ويختفي "السر" الأكبر ؛ الذي لولا تصريفه الخفي و نورانيته السارية ؛ ماجمع شمل، و لا تآلفت قلوب ، و لا كبث العدو في ذكرى عيد الوحدة المبارك ؛ فتحقق الوعد الحق، الذي رفعه أمير المؤمنين يوما بقوله : " المغرب في صحرائه، و الصحراء في مغربها.".. فحافظوا على "السر" .. و ما "الموسم" ، إلا ما أظهرت حكمة اللطيف منه .