مجتمع وحوداث

شرفة شقة بالطابق الرابع عشر

المصطفى سكم (سانت لامبير أكتوبر 2026)

" ...في تلك الأمسية الخريفية، جلسنا في شرفة الشقة بالطابق الرابع عشر. 

كان الفصل قد بدأ يرسم لوحته الأخيرة قبل الشتاء. الأشجار في الأسفل ترتدي ألوانا متوهجة تتراوح بين الأصفر الذهبي والأحمر الناري والبني العتيق. تتهاوى الأوراق ببطء وهي تؤدي طقسا قديما من طقوس التحول الغائي، من قال إن أوراق الخريف تموت؟ 

لفحتنا نسمة باردة قادمة من جهة النهر. ومن ذلك العلو المطل على مونتريال بدا المشهد مهيبا. 

كانت سانت لامبير تغط في سكونها الأنيق، بينما كان نهر سان لوران يمتد بعيدا مثل شريان فضي هائل يشق الجغرافيا والتاريخ معا. وعلى صفحة الماء انزلقت البواخر الثقيلة ببطء مهيب، محملة بسلع العالم وأحلامه ومصالحه وصراعاته. ومن قريب كان يصلنا صوت القطار العابر بمحاذاة النهر؛ صوت عميق ومتقطع، كأنه نبض معدني لزمن لا يتوقف. 

بقينا صامتين طويلا.. 

ثم قالت بسمة وهي تحدق في الأفق: 

"أتعلمان ما الذي يدهشني دائما ؟ أن هذه السفن تبدو لنا واثقة من وجهتها، بينما معظم البشر لا يعرفون إلى أين يقودهم العمر." 

ابتسمت إشراق وقالت: 

"بل تعرف السفن وجهتها لأن إنسانا رسم لها خرائطها. لا شيء يصل بالمصادفة. حتى القدر نفسه يحتاج إلى من يعمل كي يتحقق."