لم تعد قضية الصحراء قضية تراب يتنازع عليه، أصبحت قضية ممر يتنافس عليه العالم، ومن فهم هذا الممر مبكرا حكم اللعبة، ومن بقي يقرأها كملف في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة بقي خارج التاريخ.
لأكثر من عشرين سنة كان ما يفعله محمد السادس في الصحراء يقرأ داخليا كتنمية، طريق سريع من تيزنيت إلى الداخلة يقطع ألف كيلومتر من الرمال، ميناء أطلسي قادر على استقبال أكبر سفن العالم، كليات للطب ومستشفيات جامعية في العيون، مطارات دولية في قلب الصحراء. كنا نراه نحن إنجازات وطنية، لكن واشنطن اليوم تقرأه كخريطة طريق لأمنها القومي.
ما الذي تريده أمريكا من دول الساحل وغرب إفريقيا؟ استراتيجية البيت الأبيض للأمن القومي 2025 قالتها بلا مساحيق، التجارة لا المساعدات هي سياستنا في إفريقيا. تريد أمريكا ثلاثة أشياء، ألا يتحول الساحل إلى قاعدة لضرب مصالحها بعدما فقدت قاعدة الدرونز في أغاديس بالنيجر، وتريد الوصول إلى ليثيوم مالي وذهب بوركينا فاسو ويورانيوم النيجر الذي يمثل خمسة بالمئة من الإنتاج العالمي، وتريد أن يخرج كل هذا إلى السوق العالمي عبر ممر آمن لا تسيطر عليه روسيا بفيلق إفريقيا ولا الصين بمصافيها التي تحتكر سبعين بالمئة من المعادن النادرة.
بحثت واشنطن عن هذا الممر فوجدت أن الطرق البرية في الصحراء الكبرى مقطوعة بجماعات القاعدة وداعش، وأن الطرق البحرية الوحيدة لا تمر إلا عبر الأطلسي، والأطلسي بيد دولة واحدة فقط بنت ميناءها في قلب النزاع نفسه.
هنا تتجلى عبقرية الممر. حين قدم الملك مقترح الحكم الذاتي سنة 2007 لم يقدمه كتنازل لحل نزاع، قدمه كشهادة ميلاد لنظام إقليمي جديد. كان يقول للعالم الصحراء لن تبقى مشكلا، سأجعلها حلا. وحين أطلق مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب بطول 5600 كلم ويعبر 13 دولة بكلفة 25 مليار دولار، لم يكن يبحث عن غاز لتدفئة البيوت، كان يصنع حبلا سريا يربط مصير أكبر منتج للغاز في إفريقيا بميناء مغربي، ويجعل أمن الطاقة الأوروبي رهينا باستقرار العيون والداخلة.
والضربة الكبرى كانت المبادرة الأطلسية في خطاب المسيرة سنة 2023. في لحظة كانت فيها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد مطرودة من منظمة الإيكواس ومحاصرة بالعقوبات ولا يمد أحد يده لها، قال لها الملك أنتم دول حبيسة بلا بحر، سأعطيكم البحر، سأفتح لكم ميناء الداخلة لتخرجوا ذهبكم وليثيومكم إلى العالم. لم يمد سلاحا ولم يرفع شعارا، مد ميناء، وهذا ما لم تفعله لا باريس ولا واشنطن.
لهذا كانت الجملة الأخيرة في بيان الخارجية الأمريكية إعلان التحاق متأخر برؤية بدأت قبل عشرين سنة. حين قالت واشنطن لقد آن الأوان لإنهاء هذا النزاع وستواصل الولايات المتحدة دفع الجهود قدما نحو تحقيق هذه الغاية، لم تكن تخاطب البوليساريو، كانت تخاطب نفسها، تقول لقد تأخرنا، الرجل في الرباط بنى الميناء قبل أن نطلب الميناء، وبنى الطريق قبل أن نبحث عن الطريق.
أمريكا اليوم لا تدعم الحكم الذاتي لأنه مقترح مغربي جاد وذو مصداقية فقط، تدعمه لأنه أصبح حلا أمريكيا لمشكل أمريكي. لا يمكنها أن تطلب من بنين وغانا وساحل العاج أن تحارب الإرهاب في الجنوب وتترك في الشمال مخيمات تندوف بلا إحصاء ولا بطاقات بيومترية ولا قانون، تتحول فيها المساعدات إلى تجارة تمول التهريب وتتحول فيها المخيمات إلى ثغرة لعبور السلاح.
الدفع الأمريكي القادم سيكون إغلاقا للباب الخلفي وفتحا للباب الأمامي، إغلاق لوضع تندوف غير الإنساني كما وصفته واشنطن لأول مرة عبر فرض إحصاء دولي وقطع تجارة الأرقام، وتحويل بعثة المينورسو من بعثة لتنظيم استفتاء مستحيل إلى بعثة لمراقبة عودة اللاجئين في إطار السيادة المغربية، وفتح للباب الأمامي عبر صفقات كبرى، ذهب مالي مقابل درونز واستخبارات، يورانيوم النيجر مقابل حماية، ليثيوم مقابل ميناء.
هكذا ربح الملك الحرب بدون حرب. ترك الدرون تراقب الجدار، وبنى في الغرب ما يجعل الحرب مستحيلة. من يريد اليوم أن يقصف الداخلة سيقصف استثمارا أمريكيا مباشرا مسجلا في سجلات الأمن القومي الأمريكي كبنية تحتية حيوية، ومن يريد أن يقطع الأنبوب سيقطع غازا تشتريه أوروبا بعقد أمريكي.
البعض يظن أن أمريكا منحتنا الصحراء، والحقيقة أننا نحن من منحنا أمريكا مفاتيح الساحل. الملك لم يبع الرمل، باع الفكرة، فكرة أن الصحراء ليست نهاية المغرب بل بدايته، وأن من يملك الداخلة يملك باب مالي، ومن يملك العيون يملك باب النيجر، ومن يملك الرباط يملك قرار الأطلسي، وأن طريق الذهب والغاز إلى العالم لا يمر عبر خيام تندوف بل عبر طريق واحد خطه ملك قبل عشرين سنة بالإسفلت والميناء والرؤية.






