هل فعلاً يمكن بناء استراتيجية في الوقت الراهن بما تبقى من السياسة، بعدما رأينا كيف جاءت الأحزاب في نهاية مسار انتخابي بنتيجة معطوبة لا تحمل مؤشرات مرحلة جديدة يمكن الرهان عليها؟ بالنظر لنسب التصويت التي حددت في 38.02% ومقارنتها بنسبة العزوف التي فاقت 61.08%، كيف يمكن لأقلية أن تؤسس لمنطق قانوني تبني به مشروعاً مجتمعياً؟ أسئلة عميقة ومستفزة تختبر ذكاءنا الجماعي من أجل تحقيق كل الأهداف التي نرفعها دون أن نقف لها على مخرجات وخلاصات.
المشهد يبدو متواضعاً إن لم يكن مدعاة للرثاء، وكأننا نقف على أطلال وبقايا أجساد لم تعد تقوى على الوقوف. المرحلة جد دقيقة تحتاج لمكونات سياسية قوية يمكن الاعتماد عليها؛ فمهما بلغ بنا التفاؤل لا يمكن استعجال الحكم على المولود الجديد ما لم تظهر معالمه، لنقف بشكل نهائي على مدى قدرته على خوض غمار هذه التجربة العسيرة.
صحيح أن المنصوري وهي تقود حزباً خرج من رحم الإدارة ويلقى دعماً لا محدوداً من أجل إنجاح التجربة—وهي عوامل كفيلة بالقول إنه لا مجال للتردد أو الفشل—فإن الرهان على المولود الجديد كبير بحجم التحديات. فهل ستعرف الساحة تحولاً في منحى السياسة ينسينا خمس سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس؟
المواطن ينتظر إجراءات ملموسة وسريعة تؤشر على مرحلة جديدة تطمئنه على مستقبله وتُعيد الثقة في الفاعل السياسي، حتى لا ترمينا جميعاً في تأزيم الوضع أكثر مما هو عليه. فبعدما انتهت الانتخابات بكل تبعاتها، لم ينتهِ النقاش حولها وهو يرخي بظلاله على الواقع. وعوض أن تجيب السياسة على انتظارات المواطن، رأينا كيف تُوزَّع الحقائب كما تُوزَّع الغنيمة، ولم نحسم بعد مسار ديمقراطيتنا المعطوبة. يبدو أننا نطلب من العدم أن ينجب لنا بديلاً يخفف من صعوبة العيش التي أصبحت تطوق عنق المواطن تحت تأثير قدرة شرائية عاجزة وأسعار ملتهبة.
من حسنات تعطيل تشكيل الحكومة إلى اليوم أن النقاش حول تشكيلها ليس مرده بالأساس إلى البرامج والأهداف وتناول الرهانات بخلفية تمليها مرجعية الحزب، بقدر ما هو نقاش حول عدد الحقائب؛ وعلى قدر وزنك يأتي الكم وليس الكيف الذي ضحينا به منذ زمان. لقد أصبح عدد المقاعد محدداً حاسماً في المناصب، ويبدو أن المنصوري في خطابها الأخير عقب الاستقبال الملكي أشارت بوضوح إلى عزمها خوض تجربة التسيير ببروفايلات سياسية كفء وغير مستعدة للتفاوض بطرق يطبعها الابتزاز، وهي إشارة قوية للانحياز إلى ما تبقى من الكتلة بعدما جرت في أنهارها سيول جرفت كثيراً من معالمها ومن هويتها ولم يتبقَّ منها سوى الفتات، وهو عامل بالأساس لن يضفي شرعية على رسم ولادة الحكومة.
كل هذا النقاش والزيارات المتكررة لا تشير لفكرة بناء استراتيجيات مشتركة تخدم الشعب وقضاياه المصيرية؛ إنه نقاش تقني لن يقدم ولن يؤخر في الأمر شيئاً، بل يعطي الانطباع أن الهيئات الحزبية لم تعد فاعلة في القرار السياسي بقدر ما أصبحت "كومبارس" بدور ثانوي غير مؤثر.
في ظل تعثر ملحوظ واستمرار نقاش حول الصورة النهائية التي ستخرج بها تشكيلة حكومة المنصوري، جاء الخطاب الملكي بمناسبة إعلان افتتاح ولاية تشريعية عقب انتخابات 23 شتنتبر وما رافقها من تداعيات سلبية لا شك أنها شوشت على روح ديمقراطيتنا الناشئة. قدم صاحب الجلالة توجيهاته وهو يضع إطاراً مرجعياً لاشتغال المسؤول الحكومي، مع استحضار كل التحديات التي رفعها المغرب داخلياً وخارجياً، والاعتماد بشكل كرونولوجي وتلقائي على منهجية تقديم معالم المشروع الذي يجب أن تستأنس به كل البرامج، وهو أمر لا شك أن له ما بعده.
جاء الخطاب بإيقاع ونبرة مرتفعين على غير العادة؛ وأهم فكرة حاسمة في مضمونه رسالة وُجِّهت للخارج مفادها أن المغرب مملكة عريقة ضاربة في أعماق التاريخ، وهو ما يجعلنا جميعاً نعتز بمغربيتنا، والسنين لن تزيدنا سوى قوة ورسوخاً. إن التحولات المتسارعة والمحيطة بنا تفرض لزوماً إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى كالأمن المائي والغذائي والطاقي، والإقلاع الصناعي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي؛ تلكم عناوين ملهمة بطموح كبير تستجيب لراهنية دولة تمثل قوة اقتصادية صاعدة مأمول منها أن تحقق آمال شعب يتوق لرفع التحدي. وعلى الحكومة أن تكون في مستوى كل الرهانات، وأن تتسلح بروح المبادرة والاعتماد على الطاقات الشابة الواعدة والخبرات المحترمة، وهي موجودة.
إن التعاون مع الجارة إسبانيا يتجاوز القوانين التي فقدت نجاعتها لتبقى حبيسة بلد مصدريها ما لم تحقق تقاطعاً إيجابياً يفتح آفاقاً واسعة معه، وهو أمر أتاح أمام عملية التهجير فرصاً تستغلها مافيات إجرامية لتحولها بعض الهيئات السياسية ومنابر صحافية معلومة من أجل تقويض العلاقات الدبلوماسية. إن الشراكة خيار سيادي والتزام إرادي، ولن يخضع لمنطق الابتزاز أو الضغط أو التهديد مهما كان.
الخطاب يفصّل ويحدد نوعية العلاقة برهانات مستقبلية مشتركة ومتكافئة. والسؤال الذي يحاصرنا جميعاً: هل التقطنا رسالة الخطاب الملكي لاستيعاب دقة المرحلة؟ وكيف نستطيع استثمار الفرص—وهي كثيرة—في زمن التحديات الكبيرة والتحولات المتسارعة؟ الكرة الآن في مرمى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ومن سيرافقها في رحلة لا شك أنها صعبة، لكنها ليست مستحيلة.






