فن وإعلام

دفاعا عن القراءة: الكسل العقلي كمسألة سياسية (9)

سعيد ناشيد (كاتب)

في مقالته «ما التنوير؟» (1784) لم يبحث كانط عن سبب الوصاية في قوّة الأوصياء، بل في نفوس القاصرين أنفسهم: «الكسل والجبن» هما ما يجعل بعض الناس يرضون بالبقاء قاصرين طوال حياتهم، ومن ثم يبحثون عن أوصياء.

ليس الكسل العقلي مجرد خلل بسيط، بل باب الوصاية على العقل والوجدان: من يتقاعس عن التفكير بنفسه يحتاج إلى من يتطوّع للتفكير بدلًا منه. ذلك أن العقل بدوره يخشى الفراغ، فإن لم نملأه بجهدنا ملأه غيرنا بشعاراته. والقراءة هي التمرين اليومي على أن يصبر المرء على الفكرة حتى تنضج في عقله، وأن يفحص الحجّة من كل وجوهها قبل أن يسلّم بها، وأن يطيل المقام في السؤال بلا استعجال. من دون هذا التمرين يفقد الإنسان القدرة على المشاركة في النقاش العمومي، أي القدرة على أن يكون مواطنًا حرا بالفعل، حتى وإن ادعى الحرية في مستوى الشعارات أو المزايدات؛ لأن الحرية ليست مجرد مواجهة ضد قيود السلطة السياسية بل هي، قبل ذلك، مواجهة ضد قيود الانفعالات والمسلمات والأحكام الجاهزة.

قديمًا كان الطغاة والكهّان يحرقون الكتب، وكان المهرّجون يُعلّمون العامّة كيف يسخرون من الفيلسوف والحكيم والمعلم وقارئ الكتب. ألم يجعل أريستوفانيس من سقراط أضحوكة على المسرح، حتى عدّ أفلاطون تلك السخرية من عوامل التحامل الذي أودى بأستاذه؟ ألم يواصل كثير من المهرّجين التحامل نفسه إلى الآن؟ لكنّ المستجدّ اليوم أنّه لم تعد ثمّة حاجة إلى النار ولا إلى السخرية. لقد خشي أورويل في رواية «1984» أن يأتي من يمنع الكتب، وخشي هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» أن يأتي زمن لا يحتاج فيه أحد إلى منعها، لأنّ أحدًا لن يرغب في قراءتها. وقد صدق حدسُ هكسلي: يكفي أن تشتغل آليات «تشتيت الانتباه» طوال الوقت، ثم يُترك الناس أحرارًا في ألّا يقرأوا.