مجتمع وحوداث

أية سرقة مثيرة للإنتباه حقا؟ سرقة الأضواء أم سرقة الأرزاق؟

أحمد الطاهري (كاتب صحفي)

 السبت، قصدت متجرا من المتاجر الكبرى المصطفة قبالة (مرجان) في مخرج مدينة المحمدية. ركنت سيارتي بجانبه، وعلى بعد بضعة أمتار من مدخله هاجمتني كلبة بشراسة، مورطة إياي في موقف خطير للغاية قلما واجهته في حياتي. 

ولولا أن شابا يشتغل بالمتجر هرع كي يكبح هياج الكلبة، لكانت اللعينة قد غرست أنيابها المدببة ومخالبها الحادة في جسدي، كونها كانت تثب نحوي بسرعة جنونية، ولم تكن تفصلها عني سوى بضعة سنتيمترات.

احتميت أنا وشخص مسن كان برفقة زوجته بمدخل المتجر، فيما ظلت الكلبة الهائجة تنبح بضراوة، والشرر يتطاير من شدقيها المزبدين وعينيها الجاحظتين نحونا.

ولم نغادر المكان، ونحن في فزع شديد، سوى بفضل حماية الشاب لنا من هذه المصيبة المحدقة، بعد أن أحكم قبضته على قلادة الكلبة. 

استغربت لكون الكلبة لم تهاجم شاب المتجر بل انصاعت له بسهولة. ومرد ذلك، حسبه، كونها تؤدي المهمة التي دربت عليها. إنها، وببساطة، وجدت نفسها قرب المتجر كي "تحرسه"، فهو فضاؤها الثاني التي أبعدت إليه قسرا وعسفا.

ما قصة هذه الكلبة الشرسة؟

حسب رواية السيدة المشرفة على تدبير المتجر، جاء مالك الكلبة بكلبته على متن سيارته قبل نحو أسبوع، وأطلقها في ممر المتاجر وانصرف لحال سبيله. 

ربما كان يظن الأرعن أن الكلبة ستلقى الرعاية من لدن زبائن المتاجر، عوض إطلاقها في الخلاء.. يا لفعلته الشنيعة الآثمة..

هكذا، وبلا رحمة، تخلص الجلف من الكلبة التي يبدو من خلال قوامها الرشيق والربقة المثبتة حول عنقها، أنها من سلالة أصيلة، وأنها ربما كانت تحرس إحدى الفلل المجاورة لفضاء المتاجر.

قد يكون الفاعل المعتوه من حديثي النعمة الواحلين في مستنقع الضلالة.. ضلالة الأمزجة المتقلبة والأهواء المضطربة.. 

ربما طاب له أن يستبدل الكلبة المهجورة، عنوة، بأخرى من سلالة أكثر أصالة، ما دام المال وافرا، وخصلة الوفاء ـ ضمن ترياق ذخيرة الأخلاق الأخرى ـ منعدمة.. 

ولنا أن نتصور، والحالة هذه، أن كائنا خائنا لوفاء كلبة يتدبر شؤون مرفق عام، أو أؤتمن على صندوق من صناديق المال العام؟؟ فما على سوسة الفساد، عندئذ، سوى أن تقيم طويلا، هنيئة مريئة، في بركة الرذيلة الآسنة.

ظلت الواقعة تشغل بالي بقوة. وصباح يومه الإثنين، توجهت إلى عين المكان قصد معرفة ما استجد في أمر الكلبة. اقتربت منها بالسيارة بعد أن أحكمت إغلاق زجاجها، مخافة هجوم آخر متوقع. ثم التقطت لها بضع صور. 

لقد كانت الضحية المسكينة مستلقية في ظل حائط قرب المتجر. كانت هادئة مستكينة، وكأن مطاردتها المتلاحقة للعابرين قد أرهقتها كثيرا، أو كأن عنصرا من مصالح الوقاية البيطرية شك إبرة تخدير في جسدها الناعم.

ازداد شرود ذهني ومعه نبضات قلبي الواهن، مع توالي زعيق منفر لأصوات نشاز تلوك كلاما سمجا في مواقع التواصل الاجتماعي.. 

ميكروفونات وكاميرات تطارد برلمانية شابة، مدبجة موادها الضحلة بتوصيفات ما أنزل الله بها من سلطان.. إنها "الحسناء التي تخطف الأنظار"، و"تسرق الأضواء"، و"تثير الانتباه"...

في المجتمعات الملقحة جيدا بحقن التربية والعلم والديمقراطية والحرية والحق.. لا يعد عامل الجمال والسن رافعة للفعل السياسي. فأن تكون هناك برلمانية في مقتبل العمر وذات وجه صبوح وجسد حليبي، فذاك أمر يندرج، قطعا، في صميم العادية..

إلا أن المفارقة العجيبة، في حالتنا، هي أن صورة المظهر كشفت عن حقيقة الجوهر، ذلك أن الشابة الفاتنة "سارقة الأضواء" التي ظفرت بمقعد نيابي ضمن لائحة جهوية نسوية، لم يسعفها قاموسها الثقافي ـ السياسي سوى بعبارة c"était intéressant، تعليقا على الخطاب الملكي بالبرلمان.

السارق للأنظار، حقا، ليس ذاك الجسد المجلبب بالبياض.. الجسد بشعره الفاحم المنسدل بحرية، والعاري ما بين الجيد والصدر، بل هو ذاك السارق الفعلي.. "سارق الأرزاق"، ما ظهر منها وما خفي..

إن ما يثير الانتباه، حقا، هي ظواهر الفساد المتفشية بالوطن.. حالات تبذير ونهب المال العام المتناسلة بشكل رهيب، وفي شتى مظاهرها المكشوفة (احتكار السلطة والمال، الصفقات المشبوهة، تضارب المصالح، الريع، التزوير، الرشاوى...)، وهلم فضائح..

هي مجمل الأعطاب الكابحة لأي تطور مجتمعي منشود، يقطع مع الهوان والظلم والاستبداد...

هي أعطاب السياسة، المتمثلة أساسا، في لجم حرية الفعل والقول، وارتفاع منسوب التسلط والتحكم، وتزايد الإفلات من العقاب في ظل تهلهل قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضبط اللعبة السياسية وفق المزاج وعلى المقاس من خلال خلط الأوراق والاستدراج وشراء الذمم..، وضعف التأطير السياسي والنقابي، وتفشي الانتهازية، مع ما يرفع هذا كله من نسبة العزوف عن السياسة، بل من مقتها والكفر بها إطلاقا.

فكيف للسياسة أن يكون فيها طائل، وأن تكتسي بهاءها المفقود، وأن يشع بريقها في أعين الناس اليائسة الضجرة المتعبة جراء ضغط وبؤس اليومي، في زمن الكذب والرياء والخديعة..، حيث الشعارات زائفة متزلفة، ولا تبتغي سوى الكسب السهل، ولو كان فتاتا هزيلا منثورا على موائد اللئام..؟؟

هي أعطاب المجتمع المتجلية، أساسا، في اتساع رقعة الفقر والهشاشة ومظاهر العنف والبطالة..، خاصة في أوساط الشباب، الذي لم يعد يرى في خلاصه سوى تحقق الحلم بالهجرة، بحثا عن فضاءات أرحب وأوثق لتحقيق الذات...

هي أعطاب الأخلاق، الظاهرة أساسا، وكما نراه عيانا بيانا، من خلال تقهقر المعايير القيمية في السلوك البشري، قولا وفعلا.. حيث يتعاظم التعامل اليومي النفعي والأناني، العنيف والشاذ في الفضاء العام...

هي أعطاب التنمية المتمثلة في فشل مجمل مخططاتها الرسمية، مما عمق شرخ التفاوت الطبقي والمجالي الشاسع، ومعاناة الشرائح الاجتماعية العريضة من التهميش وبيروقراطية الإدارة، ناهيك عن تدني قدرتها الشرائية في ظل السطو على خيرات الوطن وتوحش الغلاء وتدني الخدمات..

هي أعطاب الثقافة، حيث علل التعليم والتربية فعلت فعلها الناخر لجسد المجتمع على مدى عقود. ولعل أبلغ شاهد على هذا البؤس، ما يشاهده المرء على شاشات التلفاز، وما يسمعه على أمواج الإذاعة، وما يستعرضه من مواد على قنوات التواصل الاجتماعي، من تفاهة وهذيان وتسطيح وتضبيع وتمييع وتسليع إلى حد الشحادة بلا حشمة ولا وقار..

وأنا شارد الذهن داخل السيارة، أستبدل محطة إذاعية بأخرى، لعلي أخفف من وطأة الحال، لفت انتباهي كلام "محلل" رياضي بأحد البرامج.. لقد زعق بالقول، معلقا على واقع أندية كرة القدم الوطنية: " لدي سؤال كبير.. سؤال كبير جدا.. جدا جدا.. هو سؤال بحجم الوطن...".. يا للوطن المفترى عليه..

أقفلت المذياع، وشردت طويلا مع واقعة الكلبة المهجورة..  

ما العمل، إذن، في هذا الزمن الكلبي الذي أصابنا في مقتل؟. 

يظهر جليا أنه لا مناص، بعد أن ابتلينا بالسلوكيات الشاذة للكائنات الوصولية الضارة، وبالأصوات النشاز المقززة، وبعد أن أضحت أعناقنا عرضة لسكاكين المفترسين على أكثر من صعيد، سوى الاحتماء بالصمت والعزلة.. 

فطوبى لرعاة العزلة الذين يقودون بعصاهم حتى الغيمة في السماء، قبل القطيع.. رعاة العزلة وقد رشقوا في الأرض الصلبة أوتاد خيمتهم المحصنة المنيعة.. أوتاد الأنفة والعزة.. الشهامة والكرامة..

أولئك المستنكفون عن الصغائر والسفاسف.. العاضون على حديد الوطن والقابضون على جمره الحارق.. 

أولئك الصادقون في الموقف الفهيم النبيل العفيف، وما بدلوا تبديلا.. 

هم الذين لن تنطلي عليهم الحيلة أبدا.. كونهم يدركون عميقا كنه الحقيقة.. حقيقة السؤال الجوهري ـ المحوري: أية سرقة هي مثيرة للإنتباه حقا؟ سرقة الأضواء أم سرقة الأرزاق؟