وتميز هذا الخطاب بتكامل عضوي يربط بين الثوابت الوطنية والدبلوماسية مع الدينامية التنموية والمؤسساتية، مما يجعله خارطة طريق متكاملة ومحكمة للفاعلين السياسيين والاقتصاديين والترابيين.
- الإطار السياسي والمؤسساتي وانتظارات المرحلة الراهنة
يستند العمل السياسي في رؤية الخطاب الملكي إلى أسس أخلاقية ووطنية صلبة؛ بإبرازه أن الانتداب البرلماني يعد التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً راسخاً يربط نواب الأمة بالمواطنات والمواطنين، وبتأكيده على أن الولاية التشريعية الجديدة تكتسي رمزيتها الخاصة لكونها تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص والتحديات، مما يحتم مواصلة الإنجازات بكل عزيمة في مختلف المجالات.
وفي هذا السياق، سلط الخطاب الضوء على الانتظارات الملكية السامية في أن تشكل هذه الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً ومحورياً لمواصلة طموح المغرب، ليتبوأ مكانته المتقدمة كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
- الهوية المغربية الجامعة والاعتزاز بالمنجزات الوطنية
ورسخ الخطاب الملكي قيمة الوطن والافتخار بالانتماء إليه من خلال استحضار الاعتزاز الراسخ للمغاربة بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة والغنية بتعدد وتفاعل مكوناتها.
ويقترن هذا الشعور بالاعتزاز بما تحقق على أرض الواقع من مكاسب سياسية ودبلوماسية، وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية كبرى غيرت وجه المغرب نحو الأفضل.
كما دعا الخطاب إلى جعل هذا الاعتزاز بالوطن حافزاً أساسياً يحول شعور الانتماء إلى مسؤولية جماعية وفردية، ويجعل من الثقة واجباً وطنياً ملزماً لخدمة الصالح العام.
- التوجهات الملكية في المجال الاقتصادي ودور القطاع الخاص
وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، تضمن الخطاب دعوة ملحة للتعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.
وأبرز الملك في خطابه ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى الموجهة للمستقبل، لا سيما في مجالات الأمن المائي، والطاقي، والغذائي، والإقلاع الصناعي، إضافة إلى الاقتصاد الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولتنزيل هذه التوجهات، دعا الملك القطاع الخاص الوطني إلى تبوأ دور محوري باعتباره فاعلاً استراتيجياً أساسياً في التحول التنموي المنشود، شريطة أن يتحلى بمزيد من المبادرة والابتكار، ويعزز قدراته على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.
- العناية الملكية الخاصة بالشباب كرافعة للتنمية
أولى الخطاب الملكي اهتماماً بالغ الأهمية للشباب، داعياً إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال بلورة تصور متكامل ومندمج يضمن تكافؤ الفرص، ويغطي مختلف الأبعاد المرتبطة بالتعليم، والتأهيل، والإدماج الاقتصادي.
ويهدف هذا الورش الاستراتيجي إلى تعزيز الثقة لدى الشباب في قدراتهم على تحقيق الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص الواعدة التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
- رهانات المجال الترابي وتفعيل الجهوية المتقدمة
أكد الخطاب أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في العمل الميداني والفعلي على المستوى الترابي، بالاقتراب المباشر من المشاكل الحقيقية لكل منطقة والعمل على إيجاد حلول واقعية ومستدامة لها.
وربط الملك النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.
وفي هذا الإطار، نبه الخطاب إلى التداعيات السلبية للتأخيرات والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز على برامج التنمية، مما يفرض عدم قبول أي مماطلة في نقل السلط والصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات، مع إرساء آليات دقيقة للتنسيق والتعاقد تضمن تمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع بنجاعة تامة.
- أبعاد السياسة الخارجية وثوابت الدبلوماسية المغربية
وعلى مستوى السياسة الخارجية، كرس الخطاب مكانة المملكة على الصعيد الدولي كشريك مسؤول وموثوق، حريص كل الحرص على الوفاء بالتزاماته وينتظر من شركائه نفس المستوى من التعامل.
وفي تدبير ظاهرة الهجرة، ذكر البلاغ، بأن المغرب اعتمد مقاربة متوازنة ومسؤولة أسفرت عن نتائج ميدانية ملموسة، مع التحلي بالشجاعة اللازمة للاعتراف بأن النموذج الحالي أصبح متجاوزاً في ظل الأزمات والتحديات المتكررة.
وأبرز الخطاب أن هذه المقاربة تجلت في الشراكة مع إسبانيا التي عرفت تطورات إيجابية، رغم ما يكتنف موضوع الهجرة من تحديات كبرى مرتبطة بمقتضيات قانونية وقرارات قضائية تعيق ترحيل القاصرين ومنتحلي صفة اللجوء وتغذي شبكات الاتجار بالبشر.
وتأكيداً على سيادة القرار المغربي، شدد الخطاب - رداً على التصريحات غير المسؤولية والاستغلال المفضوح من بعض الأوساط السياسية والإعلامية - على أن الشراكة تعد اختياراً سيادياً والتزاماً إرادياً لا يمكن أبداً أن يخضع لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وختم الخطاب الملكي بالإعلان عن عزم المغرب تقديم وثيقة متكاملة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية لشركائه، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.






