رأي

سعيد لقبي: الجهوية المتقدمة في المغرب: من سيغرس أشجار البلوط لأجيال الغد؟

كولبير وأشجار البلوط والخصم الإنجليزي اللدود


في القرن السابع عشر، راود جان باتيست كولبير، وزير الملك الفرنسي لويس الرابع عشر ، حلمٌ قد يثير اليوم ابتسامة ساخرة لدى بعض مدبّرينا للشأن العام: أن يبني لفرنسا أسطولاً بحرياً قادراً على مقارعة القوى البحرية الأوروبية، وفي مقدمتها إنجلترا وهولندا. غير أن الأحلام البحرية، مهما حلّقت في الآفاق، كانت تحتاج إلى شيء شديد التواضع: الخشب، بل إلى الكثير من خشب البلوط تحديداً. وكانت المشكلة أن أشجار البلوط لا تنمو بسرعة الطموحات الوزارية، ولا تستجيب لأوامر المسؤولين مهما علت مناصبهم وتعددت أختامهم.


لذلك انكبّ كولبير على إعادة تنظيم الغابات الملكية، وأصدر سنة 1669 مرسوماً لتنظيم المياه والغابات ضمن سياسة ترمي، من بين أهدافها، إلى المحافظة على الموارد الخشبية الضرورية لصناعة السفن. ولا تزال غابة ترونسيه الفرنسية، أحد الرموز التاريخية لهذه الرؤية الاستباقية. كان الوزير يعلم، على الأرجح، أنه لن يعيش ليرى السفن التي ستُصنع من الأشجار التي أشرف على رعايتها، لكنه كان يعمل من أجل دولة ستبقى بعد رحيله. لقد أدرك كولبير حقيقة بسيطة وعميقة: الدولة لا تُبنى على قياس أعمار حكامها، ولا تُختزل مشاريعها في آجال ولاياتهم، وهذا بالضبط ما ينبغي أن نستحضره ونحن نتأمل ورش الجهوية المتقدمة في المغرب.


خطاب ملكي في ظرفية استثنائية


يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، وبمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، ألقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس خطاباً تتجاوز دلالاته حدود المناسبة الدستورية وما يرافقها من طقوس مؤسساتية. فالمغرب يقف اليوم عند ملتقى تحولات متسارعة: نمو اقتصادي، ومطالب متزايدة بالعدالة الاجتماعية والمجالية، وتحديات الأمن المائي، والانتقال الطاقي، والتحول الصناعي، والثورة التي تحدثها تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن الاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم لكرة القدم سنة 2030. وقد أبرز الخطاب الملكي الطابع الاستثنائي لهذه الظرفية، وما تتيحه من فرص تاريخية قد لا تتكرر بالشروط نفسها، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة المجالية.


وفي هذا السياق، يستوقفنا ما خصصه الخطاب للجهوية المتقدمة، وهو مقطع يستحق، في تقديري، أكثر من مجرد قراءة عابرة. فالتشخيص الملكي واضح لا يحتمل كثيراً من التأويل: إن التأخر والاختلالات التي تعترض مساري اللامركزية واللاتمركز الإداري تعيق التنمية الترابية. ومن ثم، تبرز ضرورة توضيح الاختصاصات، ونقل الموارد البشرية والمالية، وتمكين الجهات من سلطة فعلية في اتخاذ القرار وتنفيذه. وجاء التنبيه صريحاً وحازماً: لم يعد مقبولاً أي تأخير إضافي في تفعيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري.


وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يجد إصلاح يحظى منذ سنوات بإرادة سياسية معلنة كل هذه الصعوبات في الانتقال من النصوص إلى الواقع؟ لا تكمن الإجابة في نقص التشريعات وحده، بل في الثقافة الإدارية، وطبيعة توزيع السلطة، وجودة الموارد البشرية، وفي أمر أشد عمقاً: تصورنا للزمن السياسي نفسه.


ثلاث ساعات تدق فوق تراب واحد



لكل سياسة تنموية ترابية ثلاث ساعات تختلف عقاربها، لكنها مطالبة بأن تضبط إيقاعها على مستقبل مشترك. الساعة الأولى هي ساعة الدولة الاستراتيجية التي تقيس الزمن بالعقود والأجيال. فبناء جامعة ذات إشعاع علمي، أو تحويل اقتصاد إقليم بأكمله، أو تكوين أجيال من المهندسين، أو حماية الثروة المائية، أو إنقاذ تراث مهدد بالاندثار، كلها مشاريع تحتاج إلى الاستمرارية والصبر والتراكم. أما الساعة الثانية فهي ساعة الولاية الانتخابية التي تقيس الزمن بالسنوات؛ فالمنتخب مطالب بأن يقنع المواطنين، وأن ينجز، وأن يقدم الحساب، وأن يعود إن شاء لطلب تجديد الثقة، وهذا زمن مشروع وضروري لأنه أحد أسس المسؤولية الديمقراطية. ثم تأتي الساعة الثالثة، ساعة المواطن، وهي أكثر الساعات استعجالاً؛ إنها تقيس الزمن بالأيام وأحياناً بالساعات. فالمريض الذي ينتظر موعداً للعلاج، والشاب الحاصل على شهادة جامعية والباحث عن عمل، والفلاح الذي يراقب سماءً شحيحة المطر، لا يستطيعون الاكتفاء بوعد جميل مؤجل إلى سنة 2040.


التحدي الحقيقي هو التوفيق بين إيقاعات هذه الساعات الثلاث. غير أن الخلل يبدأ عندما تبتلع الساعة الانتخابية الساعتين الأخريين؛ عندئذ تصبح المشاريع سريعة الظهور أكثر جاذبية، وتتوالى حفلات التدشين، بينما تُؤجَّل التحولات البنيوية العميقة لأنها لا تصلح دائماً خلفية جذابة للصور التذكارية. فغرس شجرة بلوط لا يمنح المنتخب عائداً انتخابياً فورياً، أما تدشين نافورة مضيئة فيضمن صورة رسمية، وبلاغاً صحفياً، وبضع مئات من علامات الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تتعطل النافورة قبل موعد الانتخابات المقبلة، بينما تكون شجرة البلوط قد بدأت بالكاد تشق طريقها نحو السماء. ومع ذلك، فإن رجل الدولة الحقيقي هو من يعرف كيف يستجيب لاستعجالات الحاضر دون أن يرهن حقوق الأجيال القادمة.


اللامركزية واللاتمركز: إصلاح يبحث عن توازنه



يتوفر المغرب على ترسانة قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبياً. فقد كرس دستور سنة 2011 مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع، وجاءت القوانين التنظيمية أرقام 111.14 و112.14 و113.14 لتنظيم الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات على التوالي. غير أن التمييز بين اللامركزية واللاتمركز الإداري ليس مجرد تمرين في المصطلحات القانونية. فاللامركزية تمنح الجماعات الترابية اختصاصات تمارسها هيئات منتخبة، بينما يقوم اللاتمركز على نقل سلطات القرار والوسائل داخل إدارة الدولة إلى ممثليها على المستوى الترابي.


وإذا انفصل أحد المسارين عن الآخر، اختلت الآلة المؤسساتية مهما بلغت دقة تصميمها. فقد تتوفر جهة على برنامج تنموي طموح، لكنها تظل رهينة قرارات إدارية تُتخذ في مكان آخر. وفي المقابل، لا تستطيع إدارة ترابية قوية أن تحل محل التمثيلية الديمقراطية المحلية. وكان الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، المعتمد سنة 2018، يروم تحقيق هذا التكامل الضروري، لكن الصعوبات ما زالت قائمة.


وهنا تبرز مفارقة مغربية تستحق التأمل: نمتلك أحياناً إدارة تكتب النصوص بسرعة القطار فائق السرعة، لكنها تستعيد إيقاع القوافل القديمة حين يحين موعد تطبيقها. ويصبح نقل الاختصاصات أشبه بسباق للتتابع تنتقل فيه العصا بين الوزارات واللجان والمصالح الخارجية دون أن تصل إلى العداء الذي يفترض أن يعبر بها خط النهاية. لم تعد المشكلة، إذن، في إصدار نصوص جديدة بقدر ما أصبحت في تحويل النصوص القائمة إلى سلطات فعلية وقرارات قابلة للتنفيذ.


بورديو في البرلمان: الورثة وحملة الشهادات الجدد



يوفر المشهد البرلماني المغربي مادة خصبة للتأمل السوسيولوجي. ولو قُدّر لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن يحضر بعض مشاهد حياتنا البرلمانية، لوجد على الأرجح مادة إضافية لإغناء أبحاثه حول إعادة آليات انتقال الرأسمال الثقافي والاجتماعي في إعادة إنتاج المواقع المهيمنة داخل المجتمع. ولا تبدو السياسة استثناءً من هذه القاعدة.


ومن الإنصاف القول إن القرابة العائلية ليست تهمة، وإن الكفاءة لا تتعارض بالضرورة مع النسب، كما أن أبناء المسؤولين ليسوا محرومين من الحق في العمل السياسي. لكن حين تتحول الروابط العائلية إلى مصاعد سريعة نحو المناصب، يصبح الأمر أكبر من مجرد مصادفات اجتماعية بريئة؛ إنه يتحول إلى سؤال مؤسساتي يتعلق بتكافؤ الفرص وتجديد النخب.


وإلى جانب توارث المواقع، نشهد اليوم ظاهرة أخرى لا تقل إثارة: التضخم المدهش في الألقاب والشهادات التي تزين السير الذاتية لبعض الفاعلين السياسيين على منصات التواصل الاجتماعي. لقد تحولت صناعة الصورة الشخصية إلى فن قائم بذاته، وأصبحت بعض السير الذاتية مصقولة بعناية تفوق أحياناً العناية التي تحظى بها البرامج الانتخابية. أما الشهادات الجامعية فتظهر لدى البعض في سن مبكرة على نحو قد يجعل كبار الباحثين يتساءلون عما إذا كانوا قد أضاعوا سنوات طويلة من أعمارهم في مختبرات البحث وقاعات الدرس! وإذا استمر هذا الإيقاع، فقد يكون من الأنسب مستقبلاً تسليم شهادة الدكتوراه مع شهادة البكالوريا اختصاراً للوقت وتشجيعاً للمواهب السياسية التي يبدو أنها لا تحتمل الانتظار!


ولا تستهدف هذه الدعابة مساراً شخصياً بعينه، ولا تشكك في مؤهلات لم تخضع للتحقق، إنها تسخر من ظاهرة أعمق: الخلط بين استعراض الكفاءة وإثباتها بالفعل. فالجهوية المتقدمة تحتاج إلى مسؤولين قادرين على فهم تعقيدات مجالاتهم الترابية في سياق العولمة، والتفاوض بشأن عقود البرامج، وتقييم الاستثمارات، وتعبئة فرق ذات كفاءة. ولا تُقاس الشرعية الانتخابية بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، لكنها لا تعفي صاحبها من الكفاءة والنزاهة والمساءلة عن النتائج.


الأحزاب السياسية: مشاتل للنخب أم مكاتب لتوزيع المناصب؟



لنعد إلى استعارتنا الأولى: أشجار البلوط. من يغرس اليوم أشجار الكفاءة البشرية التي سيحتاج إليها المغرب غداً؟ المفروض أن تكون الأحزاب السياسية مدارس للتنشئة المدنية، وفضاءات للنقاش والتكوين، ومشاتل لإعداد النساء والرجال لتحمل المسؤولية العامة. ولا ينبغي أن ينحصر دورها في إعداد لوائح المرشحين كلما اقترب موعد انتخابي، بل أن تسهم في تكوين قيادات تستطيع التفكير في التنمية خارج الحسابات الضيقة للولاية المقبلة.


وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أثارت السياسات الجهوية بالفعل مسألة تعبئة الكفاءات الترابية، كما ساهمت الجمعيات الجهوية بدرجات متفاوتة وحسب السياقات في تنشيط التنمية المحلية. غير أن تحديد دورها التاريخي في اكتشاف النخب وتأهيلها يستدعي بحثاً علمياً مستقلاً وموضوعياً. وتظل الفكرة الأساسية قائمة: إن المجالات الترابية المغربية تزخر غالباً بكفاءات تفوق بكثير ما يُستثمر منها. فالجامعيون والمهندسون والمقاولون والحرفيون والفاعلون الجمعويون والمثقفون ومغاربة العالم يشكلون رصيداً بشرياً هائلاً. لكن الرصيد لا يتحول تلقائياً إلى ثروة تنموية ما لم توجد آليات مؤسساتية تسمح بتعبئته وإشراكه في صنع القرار الترابي.


ويمكن للجامعة أن تصبح شريكاً دائماً للجماعات الترابية، لا لكي تحل محل المنتخبين، بل لتسهم في التشخيص والاستشراف وتقييم المشاريع. فالسؤال ليس كم مسؤولاً يحمل شهادة الدكتوراه، بل كم مسؤولاً يعرف كيف يستفيد من المعرفة التي ينتجها أصحابها، ذلك أن الشهادة الجامعية لا تمنح صاحبها تلقائياً شهادة في حسن التدبير.


من الرباط إلى عواصم الجهات: حذار من مركزية ترتدي جلباب الجهوية



تحمل الجهوية المتقدمة في طياتها خطراً ينبغي التنبه إليه: أن نستبدل مركزية وطنية واحدة باثنتي عشرة مركزية جهوية. صحيح أن الجهة تشكل المستوى الملائم للتخطيط الاستراتيجي والاستثمارات الكبرى، لكنها لا تستطيع اختزال التنوع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للأقاليم والجماعات التي تتكون منها.


ولنأخذ جهة مراكش–آسفي مثالاً. ما الذي يجمع، من حيث الحاجيات التنموية، بين حاضرة سياحية عالمية مثل مراكش، ومدينة مينائية وصناعية ذات عمق تاريخي مثل آسفي، ومجال ارتبط اقتصاده بالنشاط المنجمي مثل اليوسفية، وجماعات قروية تواجه إكراهات الماء والعزلة وضعف تثمين مواردها؟ إنها تنتمي إلى الجهة الإدارية نفسها، لكنها تختلف في مساراتها الاقتصادية وموروثاتها الثقافية وإمكاناتها وحاجيات سكانها. والمفروض أن تجعل الجهوية من هذه الاختلافات مصادر للتكامل، لا أسباباً للتهميش أو التنافس غير المتكافئ.


ففي آسفي، يمكن للموروث البحري وصناعة الخزف والثقافات الشعبية وموارد المجال القروي المحيط أن تفتح آفاقاً حقيقية لتنويع الاقتصاد المحلي. وفي اليوسفية، قد يشكل تثمين التراث الطبيعي والثقافي مدخلاً لبناء بدائل اقتصادية تقلص الاعتماد المفرط على النشاط المنجمي. لكن مثل هذه المشاريع لا يمكن أن تُصاغ حصرياً من مقر الجهة مهما حسنت نيات القائمين عليه. ينبغي أن تكون الجهة فضاء للتنسيق والتضامن، لا عاصمة صغيرة تعيد إنتاج علاقة المركز بالأطراف. وإلا فسنكون قد حققنا إنجازاً إدارياً يستحق التسجيل في موسوعة المفارقات: لقد قرّبنا مركز القرار من المواطن جغرافياً، لكننا أبقينا القرار نفسه بعيداً عنه! فالجهوية الحقيقية تقوم على التكامل بين ثلاثة مستويات: الجهة، والعمالة أو الإقليم، والجماعة، مع احترام اختصاصات كل مستوى واستقلاليته القانونية.


الصحراء المغربية: الجهوية تحت أنظار العالم



لم تعد المسألة الترابية في المغرب شأناً إدارياً داخلياً خالصاً. فمشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 بشأن أقاليمه الجنوبية يفتح أفقاً مؤسساتياً خاصاً يقوم على تصور يمنح مؤسسات الحكم الذاتي اختصاصات سياسية واقتصادية وإدارية واسعة في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين نظامين لا ينبغي الخلط بينهما. فالجهوية المتقدمة هي الإطار العام للتنظيم الترابي للمملكة، أما مشروع الحكم الذاتي فيقترح وضعاً مؤسساتياً خاصاً تظل تفاصيله النهائية مرتبطة بالمسار السياسي المتعلق بقضية الصحراء في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.


وهذا التطور يضع التجربة المغربية في الحكامة الترابية تحت مجهر اهتمام دولي متزايد. فمصداقية أي مشروع للحكم الذاتي لا تتوقف على جودة هندسته القانونية وحدها، بل ترتبط كذلك بضمانات التمثيلية الديمقراطية، والتوزيع الفعلي للاختصاصات، وتوفير الموارد المالية، وفعالية آليات المراقبة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة لحاجيات السكان. ولا يتعلق الأمر بالمساواة بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي السياسي، بل بالإقرار بأنهما يثيران أسئلة مؤسساتية مشتركة: كيف ننقل الاختصاصات دون نقل الموارد الضرورية لممارستها؟ وكيف نضمن مسؤولية المؤسسات الترابية ومحاسبتها؟ وكيف نوفق بين الاستقلال في التدبير والتضامن الوطني ووحدة الدولة؟


ومن هنا يمكن أن تشكل التجربة المغربية في الإصلاح الترابي الداخلي رصيداً مؤسساتياً مفيداً في التفكير في هذه القضايا، دون استباق مآلات المسار السياسي الدولي. وهكذا تنضاف إلى الساعات الثلاث التي تحدثنا عنها ساعة رابعة: ساعة الدبلوماسية، وهي ساعة تقيس الزمن بمدى الوفاء بالالتزامات وتُخضع المصداقية لاختبار الأفعال القابلة للتحقق. ولن يكفي المغرب أن يشرح للعالم نموذجه الترابي، بل سيكون عليه أن يواصل البرهنة على فعاليته في الممارسة.


التفكير في المستقبل لا يعني تأجيل الحاضر



سيكون من الخطأ أن نستخلص من حكاية كولبير درساً مريحاً للإدارة: ما دامت المشاريع الكبرى تحتاج إلى زمن طويل، فعلى المواطنين أن ينتظروا بصبر حتى تنضج ثمار الإصلاحات. فالصبر الاستراتيجي فضيلة، أما تحويله إلى ذريعة للتسويف الإداري فشيء آخر تماماً. وقد أشار المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي 2024–2025، إلى أن ثلاث جهات كانت تستحوذ سنة 2023 على نحو 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني. كما أبرز استمرار صعوبات الوظيفة العمومية الترابية ومحدودية بعض آليات التوظيف والحركية. وتذكرنا هذه المعطيات بأن العدالة المجالية لا تتحقق بالنوايا الحسنة، مهما بلغت بلاغة الخطابات التي تعلن عنها.


إن المطلوب هو تعاقد ترابي جديد يجمع بين الاستمرارية الاستراتيجية والمساءلة عن النتائج. وينبغي أن تتوفر كل جهة على رؤية تنموية تمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، تُترجم إلى برامج مرحلية منسجمة مع الولايات الانتخابية، وتخضع لمؤشرات واضحة ومعلنة للعموم. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات التكوين، وتنويع الاقتصاد، وتدبير الماء، والتنقل، وصون التراث، وتشغيل الشباب. كما لا ينبغي أن يؤدي التداول الديمقراطي إلى التخلي التلقائي عن المشاريع المهيكلة، مثلما لا ينبغي أن تتحول استمراريتها إلى حصانة تمنع تقييمها أو مراجعتها عند الاقتضاء.


فحكاية كولبير تعلمنا أيضاً أن الاستشراف ليس تنجيماً. لقد غُرست أشجار البلوط من أجل صناعة السفن، لكنها وجدت لاحقاً استعمالات أخرى. وهذا يعني أن الاستراتيجية الجيدة ليست تلك التي تتنبأ بكل شيء، بل تلك التي تترك للمستقبل هامشاً للتكيف مع ما لا يمكن التنبؤ به. فالحكامة الرشيدة تعني أن نغرس اليوم، وأن نرعى غداً، وأن نقبل بأن تستخدم الأجيال القادمة ما نورثه لها على نحو قد يختلف عما تصورناه.


خاتمة: من سيغرس أشجار البلوط لأجيال الغد؟



يأتي الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026 في لحظة يمتلك فيها المغرب فرصاً اقتصادية وجيوستراتيجية مهمة، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات حقيقية تحول دون بلوغ الحكامة الترابية مستوى الفعالية المنشودة. لم تعد الجهوية المتقدمة مجرد مسألة هياكل إدارية أو توزيع للاختصاصات والميزانيات، إنها اختبار لقدرتنا الجماعية على التفكير في التنمية خارج حدود اللحظة الراهنة. وهي تضع على المحك جودة النخب، ومسؤولية الأحزاب السياسية، ودور الجامعة، وتعبئة الموارد الترابية، ومكانة المواطن في صناعة القرار العمومي. ومع مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، تكتسب هذه الأسئلة بعداً دولياً يزيد من أهمية الانسجام المؤسساتي ومصداقية التجربة المغربية.


لكن أياً من الإصلاحات، مهما بلغت طموحاتها، لا يمكن أن ينجح دون النساء والرجال القادرين على تجسيده. نحتاج إلى مسؤولين يعرفون كيف يصلحون اليوم مدرسة أو مستوصفاً أو طريقاً، دون أن يغفلوا عن بناء الجامعات والمقاولات والمؤسسات التي ستحتاج إليها الأجيال المقبلة. ونحتاج إلى نخب تعتبر الولاية الانتخابية مسؤولية مؤقتة، وترى التنمية عملاً جماعياً يتجاوز عمر أصحاب المناصب.


فلنعد، إذن، إلى كولبير. لقد نظم غابات فرنسا استعداداً لقوة بحرية لن يعيش ليراها، وبعد ثلاثة قرون، لا تزال غابة ترونسيه شاهدة على إرادة سياسية كانت تفكر في المستقبل بأدوات الحاضر. أما المغرب، فليس في حاجة إلى البحث عن كولبير جديد يُنقذ الجهات بعصا سحرية، بل إلى بناء مؤسسات قادرة على إفراز مسؤولين يمتلكون ذلك الوعي العميق بالزمن؛ مسؤولين يغرسون دون أن يشترطوا جني الثمار بأيديهم، ويُكوّنون خلفاء أكفاء بدل أن يحيطوا أنفسهم بالأتباع والمريدين، ويقبلون بأن يُحتفى بنجاح مشاريعهم بعد مغادرتهم مواقع المسؤولية.


فالجهة لا تنهض بتراكم البلاغات الصحفية، ولا بصور التدشينات، ولا بالسير الذاتية التي تُجمّلها برامج تحرير الصور والكلمات، بل بتراكم الكفاءات والاستثمارات والثقة والمؤسسات. وبما أننا استحضرنا بورديو في بداية هذا التأمل، فلنختم بسؤال كان سيجد فيه، على الأرجح، مادة خصبة لتحليلاته: ما جدوى تقريب السلطة من المواطن إذا ظلت مفاتيحها حكراً على الدوائر نفسها؟


لقد كان كولبير يغرس أشجار البلوط ليصنع منها سفن القرن التالي، أما الخشية، عندنا، فهي أن ينشغل بعض المسؤولين الترابيين بغرس اللوحات الإشهارية استعداداً للانتخابات التالية. وشتّان بين من يغرس شجرة لتظلّل أحفاده، ومن يغرس لافتة تحمل صورته ثم ينتظر من التاريخ أن يصفّق له!